في تقرير لوزارة المالية: كيف ستحقق الدولة توازناتها المالية؟
كشف تقرير وزارة المالية حول إطار الميزانية متوسط المدى للفترة 2027-2029 عن ملامح السياسة المالية للدولة للثلاث سنوات القادمة، والتي ترتكز على خيار استراتيجي واحد وهو "التعويل على الذات".
ويسعى الإطار إلى تحقيق معادلة صعبة تتمثل في التحكم في التوازنات المالية الكبرى والحد من التداين، مع تكريس الدور الاجتماعي للدولة ودفع الاستثمار، انسجاما مع مخطط التنمية 2026-2030.
فرضيات حذرة لنمو تدريجي
وبنيت كل تقديرات الميزانية على فرضيات حذرة، فعلى مستوى النمو، تنتظر الحكومة تحسنا تدريجيا من 2.7% سنة 2026 إلى 3.1% سنة 2027، ثم 3.6% و 4.2% سنتي 2028 و2029.
وفي المقابل، تم وضع هدف طموح للتحكم في التضخم لينزل من 5.3% سنة 2026 إلى 5% في 2029، مع افتراض استقرار سعر صرف الدينار، وسعر برميل النفط من نوع برنت في حدود 80 دولارا طيلة الفترة، وهو سعر يتأثر بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ونمو عالمي في حدود 3.2%.
موارد ب 60 مليار دينار في الأفق
وتعمل الدولة على تنمية مواردها الذاتية لتصل نسبة تغطيتها لحاجيات الميزانية من 66.1% سنة 2026 إلى 69.1% سنة 2029.
وتشير التقديرات إلى أن مداخيل ميزانية الدولة ستمر من 54280 مليون دينار سنة 2027 بزيادة 3.3%، إلى 60952 مليون دينار سنة 2029، بمعدل نمو سنوي 5.1%.
وتظل الجباية هي العمود الفقري، حيث تمثل 91.4% من المداخيل سنة 2027 (49600 م د)، مع توقع بلوغها 56027 م د سنة 2029. وسترتكز السياسة الجبائية على توسيع القاعدة الجبائية ومقاومة التهرب والغش عبر رقمنة الإدارة وتوظيف الذكاء الاصطناعي ومنظومة "تاج"، وترشيد الامتيازات الجبائية نحو الاقتصاد الأخضر والطاقات المتجددة، دون الترفيع في الضغط الجبائي الذي سينزل من 25.7% إلى 23.3% (دون اعتبار النفط).
أما المداخيل غير الجبائية فتقدر بـ4330 م د سنة 2027، متأتية أساسا من مساهمات الدولة (1500 م د) وعبور الغاز الجزائري (1211 م د) وتسويق المحروقات (658 م د)، إضافة إلى 350 م د سنويا بعنوان الهبات.
نفقات تضمن العدالة اجتماعية ونمو الاستثمار
وتبلغ حاجيات الإنفاق 68895 م د سنة 2027 بزيادة 8%، ليبلغ حجم الميزانية الإجمالي مع احتساب تسديد أصل الدين 82402 م د.
وتتوزع النفقات وفق أولويات الدولة، حيث يبقى يستحوذ على الموازنة الأكبر بـ 27349 م د (39.7% من النفقات) وسيغطي برنامج الترفيع في الأجور 2026-2028 وفتح باب الانتدابات وتسوية ملف عملة الحضائر والدكاترة، ورغم ارتفاعها السنوي بـ 5.2%، ستنخفض نسبتها من الناتج من 13.7% إلى 12.5% سنة 2029.
اما الدعم، فسعود للارتفاع ليبلغ 11846 م د سنة 2027 بزيادة 21.2%، مقسم إلى 7090 م د للمحروقات و4036 م د للمواد الأساسية و720 م د للنقل. وهو يمثل 5.9% من الناتج.
وتفسر الزيادة بارتفاع أسعار النفط والمواد الأساسية، قبل أن يستقر حول 11701 م د سنة 2029.
وتتجه الدولة في مجال التنمية الى الترتفيع في الموازنات المخصصة لها من 12530 م د سنة 2027 (6.3% من الناتج) إلى 15565 م د سنة 2029، لترتفع حصتها من الميزانية من 18.3% إلى 21.2%، توجه للمشاريع الكبرى في البنية التحتية والنقل والمياه والطاقات المتجددة والتحول الرقمي والصحة والتعليم.
وتبلغ الموازنات المخصصة للتدخلات الاجتماعية 5091 م د سنة 2027. وتشمل 1973 م د للفئات محدودة الدخل (395 ألف عائلة)، ومنح للطفولة (52 م د للأطفال دون 6 سنوات و173 م د لمن هم بين 6 و18 سنة)، و74.8 م د للعودة المدرسية، و285 م د للترفيع في جرايات التقاعد الدنيا، و800 م د لتمويل الضمان الاجتماعي، و241.7 م د للمنح الجامعية لفائدة 104 ألف طالب، إضافة لتغطية صحية مجانية لنحو 386 ألف منتفع.
العجز والتداين.. مسار هش
ورغم تحسن التعبئة، سيبقى العجز قائما، فالنتيجة الأولية (دون هبات ومصادرة) ستكون في حدود -6997 م د أي -3.5% من الناتج سنة 2027 مقابل -2.3% منتظرة سنة 2026، قبل أن تتحسن إلى -2% سنة 2029.
وباحتساب الفائدة، يبلغ العجز الجملي -14965 م د (-7.5%) سنة 2027، ثم يتراجع إلى -12980 م د (-5.5%) سنة 2029.
كيف سيتم التمويل؟
وحسب برامج الحكومة، ستغطي الموارد الذاتية 65.9% فقط من الميزانية سنة 2027، مما يفرض اللجوء للاقتراض لتغطية 28122 م د (34.1% من الحاجيات)، موزعة بين 19845 م د اقتراض داخلي و6877 م د خارجي و1400 م د موارد خزينة أخرى.
ويتوقع أن ينخفض هذا اللجوء للتداين إلى 30.9% سنة 2029، بما يجعل هذا التوجه "ترجمة فعلية للتعويل على الذات" وفق توجهات الحكومة.
وستكلف خدمة الدين 21275 م د سنة 2027 (25.8% من الميزانية)، منها 13307 م د أصل الدين و7968 م د فائدة، لتبلغ الفائدة وحدها 8357 م د سنة 2029.
أما حجم الدين العمومي، فسيواصل الارتفاع ظرفيا ليبلغ 169529 م د (85.0% من الناتج) في موفى 2027، مقابل 83.7% سنة 2026، قبل أن يبدأ التراجع إلى 82.7% سنة 2029، وستتغير هيكلته لصالح الدين الداخلي الذي سيصبح 71.5% من الدين سنة 2029 مقابل 60.4% فقط سنة 2021.
مخاطر
ويقر المخطط الحكومي بأن كل هذا المسار يظل تقديريا ورهين ثلاثة متغيرات كبرى وهي أسعار الطاقة التي قد تنفلت فوق 80 دولارا فترفع كلفة الدعم، وقدرة الاقتصاد على تحقيق نمو أعلى من 3.1% وهو ما سيؤثر مباشرة على المداخيل الجبائية، وقدرة الدولة على إيجاد تمويلات كافية خاصة مع محدودية اللجوء للتمويل الخارجي.
ورغم ان إطار الميزانية متوسط المدى يريد أن يبعث برسالة طمأنة مفادها ان الدولة ستفي بالتزاماتها، وستحمي الفئات الهشة، وستستثمر، الا ان الطريق نحو التوازنات، لن يكون مستقيما قبل 2029.
الحبيب وذان