languageFrançais

شربل روحانا في تونس... لقاء بين الخبرة وشغف التجديد

في فضاء يحمل ذاكرة المدينة العتيقة بتونس، اختار شربل روحانا أن يروي حكايته الخاصة مع آلة العود في دار لصرم في قلب المدينة.. حكاية موسيقار آمن بأن هذه الآلة قادرة على حمل تاريخ طويل من المقامات والألحان، وفي الوقت نفسه قادرة على الدخول في حوار مع تجارب موسيقية جديدة.

حل العازف والملحن اللبناني اليوم الجمعة 23 أكتوبر 2026 ضيفا على المهرجان الدولي العود بالمدينة في دورته الرابعة في سهرة جمعت بين الحس الأكاديمي وروح العرض الحي. وأمام جمهور يعرف قيمة التفاصيل في العزف، قدم شربل روحانا مشروعه الموسيقي الذي بناه على سنوات من البحث والتجريب، حيث التقت أصالة العود الشرقي مع رؤى موسيقية معاصرة.

علاقة شربل روحانا بتونس ليست جديدة. فقد سبق أن التقى الجمهور التونسي منذ سنوات طويلة، بداية من مشاركته كعازف منفرد في مهرجان المدينة سنة 1997، مرورا بتجربته مع مسرح كركلا اللبناني في عرض "أليسار ملكة قرطاج" سنة 1995، وصولا إلى إشرافه على ورشة تكوينية في العزف على العود سنة 2022 ضمن فعاليات مهرجان العود بالمدينة.

أوتار العود بين التجديد والتجربة الموسيقية الجماعية

منذ اللحظات الأولى للعرض، بدا واضحا أن شربل روحانا ينظر إلى العود كآلة مفتوحة على الاحتمالات. اختياراته الموسيقية تقوم على بناء حوار بين الصوت الشرقي للعود والتقنيات الحديثة، وهو المسار الذي رافقه منذ بداية تجربته الفنية وجعله من الأسماء المؤثرة في الموسيقى العربية المعاصرة.

إلى جانبه، كان إيلي الخوري على العود الثاني، ومكرم أبو الحسن على آلة الكونترباص. ثلاث آلات صنعت على الركح مساحة مختلفة، جمعت بين دفء الأوتار الشرقية وحضور إيقاعي يحمل نفسا معاصرا.

وهذه التركيبة لم تأت صدفة، فهي امتداد لمسار موسيقي بدأه شربل منفردا بالعود، ثم تطور مع الوقت إلى لقاءات ثنائية قبل أن يتحول إلى مشروع ثلاثي يجمع ثلاثة موسيقيين تجمعهم رؤية واحدة.

إيلي الخوري رفيق درب قديم لشربل روحانا، وعلاقة الصداقة والقرب التي تجمعهما انعكست على طريقة تعاملهما فوق الركح، حيث أصبح الحوار بين العودين قائما على الانسجام والثقة، وكأن كل جملة موسيقية تجد جوابها في الآلة الأخرى.

أما مكرم أبو الحسن، الذي انضم حديثا إلى هذا المشروع، فقد وجد نفسه أمام تجربة مختلفة.. فاللقاءات الأولى مع شربل تحولت بسرعة إلى تعاون فني يقوم على القرب والتفاهم، ليصبح الثلاثي فضاء يجمع موسيقيين تجمعهم الكيمياء الإنسانية قبل التناغم الموسيقي.

من مارسيل خليفة إلى مشروع خاص يحمل بصمته

ارتبط اسم شربل روحانا لسنوات طويلة بتجربة الفنان مارسيل خليفة، إذ قاد فرقته الموسيقية ورافقه في العديد من الجولات العالمية. وهذه المرحلة كانت محطة مهمة في مسيرته، إذ وضعته في قلب تجربة موسيقية تجمع بين الالتزام الفني والبحث المستمر عن أشكال جديدة للتعبير.

والعمل إلى جانب مارسيل خليفة، فتح أمام شربل مساحات واسعة للتجربة والاحتكاك بجماهير مختلفة، كما ساهم في تكوين رؤيته الخاصة للعلاقة بين العازف والآلة والعمل الجماعي.

بيروت للموسيقى الشرقية

وبالتوازي مع ذلك، واصل شربل بناء مشروعه الخاص من خلال أعماله الموسيقية وفرقة "بيروت للموسيقى الشرقية"، إضافة إلى تجربته الأكاديمية.. فهو مؤسس "معهد شربل روحانا للعود" وصاحب منهج تعليمي أصبح مرجعا لعدد من دارسي هذه الآلة في لبنان والعالم العربي.

وفي تونس، كان حضوره مناسبة للقاء بين تجربة راكمت أكثر من ثلاثة عقود وجيل جديد من المهتمين بالعود. وقبل الحفل الذي سبق توزيع جوائز مسابقة العزف على العود، حملت السهرة أيضا رسالة مرتبطة بالمستقبل، إذ يواصل شربل روحانا التأكيد على أهمية تكوين موسيقيين قادرين على احترام التراث والبحث عن لغتهم الخاصة.

غادر شربل روحانا ركح مهرجان العود بالمدينة تاركا وراءه سهرة احتفت بالعود كآلة حية تتغير مع الزمن.. آلة تحمل ذاكرتها القديمة، لكنها تجد دائما من يمنحها صوتا جديدا.

محمد ضياء شندول