languageFrançais

أيام قرطاج الموسيقية تختتم بصوت فايا يونان

اختتمت مساء السّبت 10 أكتوبر 2026 بمسرح الأوبرا بمدينة الثقافة فعاليات الدّورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقيّة التي كانت مساحة للموسيقى واللقاءات الفنية واكتشاف أصوات جديدة، وبناء علاقات تتجاوز حدود العرض إلى آفاق الإنتاج والتوزيع والشراكات. فعلى امتداد أسبوع، من 27 سبتمبر إلى 3 أكتوبر 2026، تنقّلت التظاهرة بين عروض استقطبت الجمهور ولقاءات مهنية فتحت أمام الفنانين والفاعلين في القطاع الموسيقي فرصا جديدة للتواصل والعمل المشترك، قبل أن تختتم فعالياتها بحفل للفنانة السورية فايا يونان في قاعة الأوبرا بمدينة الثقافة.

وكان حفل الاختتام، الذي قدّمه كلّ من الصّحفيين كريم بن عمر وسامية الحامي، مناسبة لاستعادة أبرز محطات الدورة، التي سعت إلى الجمع بين البعد الفني والرهان المهني، مع إيلاء اهتمام خاص بحق النفاذ إلى الثقافة. وفي خطوة تعكس هذا التوجه، انتظم الحفل بالاستعانة بتقنية الوصف السمعي لفائدة الحاضرين من الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، إلى جانب توفير لغة الإشارة طوال تقديم فقراته، وذلك في إطار شراكة مع جمعية إبصار. وهي مبادرة تضع مسألة إتاحة العروض أمام الجميع ضمن التجربة المهرجانية، باعتبار الثقافة حقاً لا ينبغي أن تحدّه الحواجز.


وخلال كلمته في الاختتام، استحضر المدير الفني لأيام قرطاج الموسيقية منذر الفلاح حصيلة أسبوع جمع نحو 200 موسيقي من 20 دولة، وقدّم تسع حفلات كبرى و26 عرضا مختارا وفعاليات متنوّعة حضرها ما يزيد عن 20 ألف زائر. وأشار رئيس لجنة تنظيم الأيام إلى أن هذه الدورة لم تقتصر على برمجة العروض، بل عملت أيضا على خلق فرص للتواصل بين الفنانين والمهنيين، بما يساعد على تطوير المشاريع الموسيقية الناشئة وفتح مسارات جديدة أمامها.


ومن بين التجارب التي شهدتها الدورة، تنظيم ورشة للجاز امتدت على خمسة أيام بإشراف عازف الجاز العالمي مهدي عزيز، بمشاركة أكثر من 40 موسيقيا تونسيا. وقد مثّلت الورشة مساحة للاشتغال والتبادل الفني، تتيح للموسيقيين اختبار إمكاناتهم وتطوير أدواتهم بعيداً عن منطق العرض الجاهز، في تجربة تراهن على التكوين بوصفه امتداداً طبيعياً للبرمجة الفنية.

الأعمال المتوّجة والوعود المهنية 

وفي سياق دعم الفنانين الناشئين وتوسيع حضورهم خارج العاصمة، أعلن الفلاح عن اختيار ثلاثة عروض لتمثيل أيام قرطاج الموسيقية في عدد من الجهات، وهي ''ALTF4'' و''Midnight Pin'' و''قول تره ساوند سيستام''. وجاء هذا الاختيار في إطار دعم اللامركزية الثقافة، وإتاحة فرص إضافية أمام المشاريع الموسيقية للوصول إلى جماهير جديدة، وفق معايير تراعي القيمة الفنية والإمكانات التقنية ومدى ملاءمة العروض لفضاءات الاستضافة، إلى جانب حاجتها إلى الدعم.


ولم تتوقف رهانات الدورة عند حدود الانتشار الجغرافي، بل امتدت إلى بناء شبكة من العلاقات المهنية. فقد واكب فعاليات المهرجان 23 مهنيا من الخارج و80 مهنيا من تونس، فيما احتضنت التظاهرة ستة لقاءات مهنية و12 جناحا مهنياً. كما أفضت جهود التشبيك إلى شراكات مع مؤسسات وتظاهرات موسيقية، من بينها دار تونس بباريس، التي ستدعم ثلاثة عروض، إلى جانب Stereo Africa Festival ومهرجان Arabesque ومهرجان الأغنية والعود في مالمو. وهي خطوات تمنح المشاركة في المهرجان إمكانية التحول إلى تعاونات وفرص عرض خارج إطاره الزمني والجغرافي.


أما على مستوى الإقبال الجماهيري، فقد استقطبت الدورة نحو 20 ألف زائر على امتداد أسبوعها، وشهدت عروضا أمام شبابيك مغلقة، في مؤشر على اهتمام الجمهور بتجارب موسيقية متنوعة. وقد عكست برمجة اليوم الأخير هذا التعدد، من خلال لقاءات فنية جمعت بين مدارس وثقافات مختلفة، مؤكدة أن الموسيقى قادرة على بناء حوار بين الهويات دون أن تفقد كل تجربة خصوصيتها.

فايا يونان مسك الختام 

وكان مسك الختام كان مع فايا يونان، التي اختارت أن تجعل من لقائها بالجمهور التونسي مساحة لاستعادة العلاقة التي نسجتها مع تونس منذ زيارتها الأولى سنة 2017. ''اشتقت لكم كثيرا''، قالت الفنانة السورية وهي تحيي الحاضرين، مضيفة أنها شعرت منذ تلك الزيارة بأنها ابنة هذا البلد. ومنذ اللحظات الأولى، بدا الحفل أقرب إلى لقاء حميمي تتقدّم فيه الأغنية على الاستعراض، ويمنح فيه الصوت والكلمة الجمهور فرصة للعودة إلى ذكرياته الخاصة.

وتنقّلت فايا بين أعمال حفظها جمهورها وردّد مقاطع منها، من ''أحب يديك'' إلى ''بيناتنا في بحر'' و''غنّي''، مستعيدة عالما تتقاطع فيه العاطفة مع الحنين، والهدوء مع أسئلة الإنسان في زمن مضطرب. وحين اتجهت بالتحية إلى سوريا وفلسطين، أدّت ''شعوب الحياة''، في رسالة ترفض الحرب وما تخلّفه من وجع في حياة الشعوب، لتستعيد الأغنية قدرتها على التعبير عن الأمل من دون أن تتجاهل قسوة الواقع.

وكان لتونس نصيبها الخاص من هذه الأمسية، إذ أدّت فايا أغنيتها التونسية ''نفرح برشة كي تسمعني''، قبل أن تستحضر اسم الفنان ياسر الجرادي من خلال أغنية ''نرجعلك ديما''، في تحية لذكراه وما تركه من أثر في الأغنية التونسية. واختتمت الحفل بكوكتيل من أعمال الهادي الجويني، لتلتقي الذاكرة الموسيقية التونسية بصوت آتٍ من تجربة عربية مختلفة، في لحظة تختصر ما يمكن للموسيقى أن تصنعه من تقارب.

ومن قاعة العرض إلى ورشات التكوين، ومن اللقاءات المهنية إلى الشراكات العابرة للحدود، رسمت الدورة الحادية عشرة ملامح مهرجان يريد للموسيقى أن تكون فعلا فنيا وصناعة في الوقت نفسه. وبين صوت فايا يونان في سهرة الختام، وأصوات وتجارب أخرى وجدت طريقها إلى الجمهور، يبقى الرهان الأهم هو أن تستمر هذه الحركة بعد انطفاء أضواء المسارح، وأن تتحوّل أيام قرطاج الموسيقية من موعد سنوي إلى نقطة انطلاق لمشاريع وعلاقات وفرص جديدة في المشهد الموسيقي التونسي والعربي والدولي.

الواثق بالله شاكير