languageFrançais

حين يتحوّل البوح إلى موسيقى.. 'قولتره' تروي حكاية 20 سنة من التمرّد

''وين''.. ''اللي تشالو".. ''مازال الخير''.. ''تايه''.. ''وحيد القرن''.. هكذا غنّى حليم الوسفي وسط هتافات الجمهور الذي ملأ المسرح مردّدا: ''قولتره.. قولتره.. قولتره'' في سهرة الوفاء لمجموعة موسيقيّة تونسيّة فريدة تحتفل هذا العام بمرور 20 سنة على تأسيسها: "قولتره ساوند سيستام" في مسرح الأوبرا في خامس سهرات أيام قرطاج الموسيقية في دورتها الحادية عشر.

وعلى مسرح قاعة الأوبرا بمدينة الثقافة، لم تكن الموسيقى مجرّد نغمات تتعاقب، ولا كان الجمهور أمام حفل يستعيد فيه أغنيات مألوفة فحسب فمع عرض ''وحيد القرن''، حملت مجموعة ''قول تره ساوند سيستام'' إلى جمهورها صوتا يلتقي فيه البوح الشخصي بأسئلة الواقع، وتتصالح فيه ذاكرة الفرقة مع رغبتها في خوض مغامرة موسيقية جديدة تستحضر التحوّلات التي يعيشها الإنسان المعاصر، واقترب من وضع الفنان في عالم تتسارع فيه التغيّرات التكنولوجية، وتثقل فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية كاهل الإبداع وأصحابه.

وحيد القرن.. عزلة الفرد في عالم مزدحم

ويحمل عنوان العرض دلالة تتجاوز غرابة التسمية. فوحيد القرن، بما يوحي به من فرادة، يستحضر صورة الفرد الذي يجد نفسه وحيدا في مواجهة عالم مضطرب، تتراجع فيه المساحات المشتركة وتتزايد فيه أسئلة الانتماء والقدرة على الاستمرار. وهي صورة تتقاطع مع ما يعيشه الفنان اليوم، بين الحاجة إلى التعبير بحرية، وضغوط الواقع، والتحوّلات التي تعيد رسم علاقته بالجمهور وبالمشهد الثقافي.

وفي حديثه عن المشروع، يربط حليم اليوسفي عنوان ''وحيد القرن'' بحالة العزلة والاغتراب التي يعيشها الإنسان المعاصر، موضحا أن الألبوم يستند إلى تجربة شخصية ونفسية حقيقية. ومن هذا المنطلق، تبدو الأغاني أقرب إلى اعترافات موسيقية لا تحاول تجميل المشاعر أو إخفاء تناقضاتها، بل تترك للصدق أن يصنع طريقه إلى المستمع.

وعلى المسرح، التقت هذه الرؤية بنبرة موسيقية تتأرجح بين السخرية والعمق، وبين التعبير المباشر والبوح الحميمي. ولم يكن التفاعل مع الأغاني الجديدة منفصلا عن الارتباط القديم بأعمال المجموعة، إذ جمع العرض بين مواد من ألبوم ''وحيد القرن'' وأغانٍ من رصيدها السابق، في توازن بين ذاكرة جمهور رافق التجربة منذ سنوات ورغبة فنية في فتح مسارات جديدة.

موسيقى حيّة وهوية متجدّدة

ولم يقتصر الاختلاف على الكلمات أو الموضوعات، بل امتد إلى البناء الموسيقي نفسه. فقد أتاح الأداء الحي مساحة لتجديد التوزيعات مقارنة بالنسخ المسجّلة في الاستوديو، مع حضور واضح للغيتار والباص والدرامز والساكسوفون والكلافيي، وانسجام بين العازفين منح الأغاني طاقة متجدّدة، وفتح المجال أمام الارتجال والتفاعل المباشر مع الجمهور.

وبالنسبة إلى حليم اليوسفي، يمثّل الوقوف على مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة، أمام جمهور يحفظ الكلمات الجديدة ويتفاعل معها، لحظة تمنح المشروع روحه الحقيقية. كما يرى في هذا الحضور اعترافا بمسار الموسيقى البديلة في تونس، وبسنوات من العمل خارج القوالب التقليدية.

وهنا تحديدا تتجلّى فرادة ''وحيد القرن'': فالمجموعة لا تعود إلى المسرح لتكرار تجربة نجحت سابقا، ولا تتخلّى عن هويتها بحثا عن تجديد سريع، بل تحاول أن تجد لغة موسيقية تستوعب ما تغيّر حولها وفي داخلها. إنها عودة تختبر معنى الاستمرارية في زمن لا يكفّ عن تبديل إيقاعه.

وفي اليوم الخامس من أيام قرطاج الموسيقية، بدا هذا العرض جزءا من مشهد أوسع تتجاور فيه تجارب موسيقية مختلفة، من الروك المغاربي والريغي البديل إلى أصوات المتوسط وغرب إفريقيا والتراث الصوفي. مشهد لا يبحث عن لون واحد بقدر ما يفسح المجال لتعدّد المرجعيات، ويطرح سؤال العلاقة بين الجذور والانفتاح، وبين الخصوصية المحلية والتحوّلات العالمية.

وبين أغان تستعيد ذاكرة الفرقة وأخرى تلتقط قلق الحاضر، قدّم ''وحيد القرن'' صورة لفنان يحاول أن يحافظ على صوته وسط عالم يتغيّر باستمرار. وربما تكمن مفارقة هذا المشروع في أن وحدته ليست انسحاباً من العالم، بل محاولة لفهمه ومواجهته بالموسيقى فحين تضيق المساحات أمام البوح، يظلّ الركح مكاناً ممكنا للحرية، وتظلّ الأغنية قادرة على تحويل التجربة الفردية إلى إحساس يتقاسمه كثيرون.

ومنذ انطلاقتها سنة 2006، بنت ''قولتره ساوند سيستام'' هويتها خارج القوالب الموسيقية الجاهزة، مستندة إلى مزيج من الريغي والروك البديل والإيقاعات التقليدية لشمال إفريقيا، وإلى نصوص تتقاطع فيها أسئلة الشباب مع تفاصيل الحياة اليومية. وفي العرض الجديد، لا تتخلّى المجموعة عن هذه الجذور، بل تعود إليها لتختبر قدرتها على التعبير عن حاضر مختلف، حيث لم تعد الموسيقى مجرّد مساحة للترفيه، بل أصبحت أيضا وسيلة للبوح ومواجهة التحوّلات.
 

الواثق بالله شاكير