فاطمة بوساحة.. صوت تونس الشعبي الذي لا يموت
حتى في أشدّ أيامه حزنا، يصعب على التونسي أن يسمع موسيقاها دون أن يتحرّك شيء في داخله. نغمات توقظ الفرح، وتدعو الجسد إلى الرقص، قبل أن يمنحه العقل الإذن. صوت فريد، نعم. لكن كيف يتحوّل صوت امرأة إلى جزء من ذاكرة وطن؟ وكيف تشقّ امرأة طريقها في زمن كان الرجال يهيمنون فيه على ساحة الغناء الشعبي؟
تبدأ الحكاية بطفلة يتيمة في زغوان، وتمتدّ إلى مسارح تتجاوز حدود تونس، لتنتهي بصوت يأبى الغياب. اسمها… فاطمة بوساحة. ولم تكن مجرّد مطربة شعبية. في صوتها صدى الأرض، ونبض الأحياء، وحكايات الناس البسطاء. خرجت من قلب المعاناة، وحملت وجعها إلى الغناء، فصنعت منه قوّة وفرحا يصلان إلى الآخرين.
ولدت عام 1942 في زغوان، وعرفت اليتم منذ طفولتها. ضاقت بها الحياة مبكرا، لكنّها لم تتخلّ عن حلمها. وأحيانا، يحتاج الحلم إلى شخص واحد يؤمن به كي يجد طريقه. وكان الفنان عبد القادر الجلاصي ممّن آمنوا بموهبتها وشجّعوها على الغناء. فشدّت الرحال إلى العاصمة، واستقرّت في حيّ الملاسين، وبدأت رحلتها الفنية مع فرقتَي إسماعيل الحطّاب والزين الماجري. هناك، أخذ اسمها يشقّ طريقه، ولفتت الأنظار بصوتٍ استثنائي، قيل إنّه لا يحتاج إلى مكبّر كي يملأ المكان.
وفتحت فاطمة بوساحة للأغنية الشعبية التونسية أبوابًا واسعة، وكانت من أبرز الأصوات النسائية التي حملتها إلى المسارح داخل البلاد وخارجها. إذ غنّت في ألمانيا وفرنسا وكندا وليبيا، وحملت معها إيقاع تونس ولهجتها وروح أفراحها. وبصوتها، اكتشف جمهور خارج البلاد ثراء هذا الفنّ وقدرته على تجاوز الحدود: ''يا عم الشيفور''، ''وين يبيعو فيك''، ''الربة''، ''ولد الرومية''، ''يا علالة''، ''يا كرهبة كمال رني رني''، ''سوق ودلالة''، ''جزار الحومة''، و''عشيباني وسع''…
أغان تجاوزت شهرة صاحبتها لتصبح جزءا من الذاكرة الجماعية للتونسيين؛ تردّد في الأعراس والأفراح، وترافق لقاءات الأهل والأصدقاء، وتعبر من جيل إلى آخر. ووصل صدى ألحانها إلى خارج تونس، حتى إنّ الفنانة المصرية سيمون استوحت لحن أغنية ''الربة'' في أحد أعمالها. ورغم الشهرة، ظلّت فاطمة بوساحة قريبة من الناس، تختصر علاقتها بهم بعبارة بسيطة: ''أنا ابنة الشعب ولست فيلسوفة''.
كانت بوساحة تعرف لمن تغنّي، وتؤمن بأنّ الأغنية تصل حين يفهم الناس كلماتها، ويجدون فيها شيئا من حياتهم ومشاعرهم. ولم يقتصر هذا القرب على الغناء. فقد كانت تساهم كلّ عام في تزويج عشرات الفتيات من العائلات المعوزة، وتتكفّل بختان مئات الأطفال. فالفرح الذي أشعلته على المسارح، سعت إلى إيصاله إلى بيوت أثقلتها الحاجة. وبقدر ما أحبّت أن تسمع تصفيق الجمهور، أحبّت أن تكون سببا في ابتسامته.
في عام 1992، شاركت في عرض ''النوبة'' للفاضل الجزيري وسمير العقربي، في محطة بارزة من مسيرتها، أكّدت فيها مكانتها بين أهمّ الأصوات الحافظة للتراث الغنائي الشعبي والعروبي في تونس. وبعد 2011 غنّت ''ترابك غالي يا تونس''، مانحة حبّها للبلاد كلمات ولحنا، بصوت عرفه التونسيون طويلا في أفراحهم.
في السابع والعشرين من أكتوبر عام 2015، رحلت فاطمة بوساحة بعد صراع مع المرض. غاب جسدها، وبقي صوتها حاضرا يعود مع كلّ عرس، يرافق أنغام الزكرة، ويوقظ في التونسيين ألفة لا تحتاج إلى تفسير تاركة أغان يحفظها الناس، وفرحا يتجدّد كلّما غنّوها، وسيرة امرأة شقّت طريقها من قسوة اليتم إلى محبّة جمهور واسع.
*الواثق بالله شاكير