languageFrançais

فاتورة الدعم في تونس: المحروقات في الصدارة وضغوط متزايدة على الميزانية

تتجه نفقات الدعم في تونس إلى تسجيل ارتفاع ملحوظ خلال سنة 2027، وفق تقديرات مشروع ميزانية الدولة، لتبلغ نحو 11 مليارًا و846 مليون دينار، مقابل 9 مليارات و772 مليون دينار مرسمة بقانون المالية لسنة 2026، أي بزيادة تناهز 2 مليار و74 مليون دينار، وبنسبة 21.2 بالمائة.

ويستأثر دعم المحروقات بالحصة الأكبر من هذه النفقات، بما يعادل 7 مليارات و90 مليون دينار، أي قرابة 60 بالمائة من إجمالي الاعتمادات المبرمجة، في مؤشر على حجم الضغط الذي تمثله منظومة الطاقة على ميزانية الدولة، في ظل تقلبات أسعار النفط عالميًا وتراجع الإنتاج الوطني من المحروقات والغاز الطبيعي، مقابل ارتفاع الحاجيات الداخلية من الطاقة.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية إضافية عند مقارنتها بتطور تنفيذ ميزانية سنة 2026، إذ بلغت نفقات الدعم إلى موفى أوت من السنة نفسها 4 مليارات و496 مليون دينار، مسجلة زيادة بنسبة 6 بالمائة، أي ما يعادل 255 مليون دينار مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2025. وكان دعم المحروقات وحده قد بلغ 3 مليارات و206 ملايين دينار، بزيادة قدرها 120 مليون دينار، أي بنسبة 3.9 بالمائة، مع بلوغ نسبة إنجاز الاعتمادات المخصصة له 64.2 بالمائة.

أسعار النفط.. العامل المباشر في ارتفاع كلفة دعم المحروقات

وتربط وثيقة مشروع ميزانية الدولة الزيادة المسجلة في نفقات دعم المحروقات خلال سنة 2026، أساسًا، بارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية. فقد بلغ معدل سعر برميل النفط من نوع «برنت» إلى موفى أوت 2026 نحو 91.21 دولارًا، مقابل 71.21 دولارًا خلال الفترة نفسها من سنة 2025.

كما أشار المشروع إلى أن معدل سعر النفط المتوقع لكامل سنة 2026 يناهز 90 دولارًا للبرميل، في حين لم تتجاوز الفرضية المعتمدة عند إعداد قانون المالية لسنة 2026 نحو 63.3 دولارًا. ويعني هذا الفارق أن كلفة التزود بالمواد النفطية جاءت تحت ضغط أسعار أعلى بكثير من المستوى الذي بُنيت عليه التقديرات الأولية، وهو ما أدى إلى تجاوز حاجيات دعم المحروقات المستوى الذي كان مقدرًا في البداية، وفق ما ورد في الوثيقة.

ولمواجهة الحاجيات الإضافية الناجمة عن هذا الارتفاع، أشارت الوثيقة إلى إمكانية توظيف جزء من الاعتمادات المخصصة للنفقات الطارئة وغير الموزعة في ميزانية 2026، بهدف تغطية النفقات الإضافية وتفادي الإخلال بالتوازنات المالية للدولة.

أما بالنسبة إلى سنة 2027، فقد اعتمدت تقديرات الميزانية فرضية سعر نفط في حدود 80 دولارًا للبرميل من نوع «برنت»، مع الإشارة في إطار الميزانية متوسط المدى إلى أن التقديرات الدولية تتوقع استقرارًا نسبيًا للأسعار بين 70 و80 دولارًا للبرميل خلال السنة المقبلة، رغم استمرار المخاطر المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة.

تراجع الإنتاج الوطني وارتفاع الطلب.. ضغط إضافي على منظومة الطاقة

ولا يقتصر تفسير ارتفاع كلفة دعم المحروقات على تطور الأسعار العالمية، إذ تواجه تونس أيضًا تحديًا يرتبط بتراجع الإنتاج الوطني من المحروقات والغاز الطبيعي مقابل ارتفاع الحاجيات الداخلية من الطاقة، وهو ما ساهم في اتساع عجز الميزان الطاقي.

وتبرز معطيات إطار الميزانية متوسط المدى أن العجز الطاقي مثّل إلى موفى أوت 2026 نحو 50 بالمائة من العجز التجاري الجملي. كما سجلت الوثيقة تراجع الإنتاج الوطني من المحروقات والغاز الطبيعي، دون أن تقدم في هذا الجزء أرقامًا تفصيلية حول حجم هذا التراجع أو مساهمة كل مادة في العجز.

وتنعكس هذه الوضعية على حاجيات البلاد من التوريد، خاصة في ما يتعلق بالغاز الطبيعي والمواد النفطية.

فوفق فرضيات مشروع ميزانية 2027، يُنتظر أن يبلغ استهلاك الغاز الطبيعي 5.8 ملايين طن مكافئ نفط، وهو المستوى نفسه المتوقع لسنة 2026، في حين ستبلغ واردات الغاز الجزائري 3.611 ملايين طن مكافئ نفط، مقابل 3.579 ملايين طن منتظرة خلال سنة 2026، أي بزيادة تقارب 1 بالمائة.

وتمثل هذه الكميات المستوردة نحو 62 بالمائة من حجم الاستهلاك الوطني للغاز، وفق تقديرات المشروع. كما يُنتظر أن يبلغ استهلاك المنتجات النفطية الجاهزة 4.606 ملايين طن، بزيادة تناهز 2 بالمائة مقارنة بتقديرات سنة 2026.

وتعكس هذه المعطيات استمرار اعتماد تونس على واردات الطاقة لتغطية جزء مهم من حاجياتها، وهو ما يجعل كلفة المنظومة مرتبطة بتطور الأسعار في الأسواق العالمية وبسعر صرف الدينار، إلى جانب حجم الاستهلاك والإنتاج المحلي.

كل دولار إضافي في سعر النفط يرفع نفقات الدعم بـ172 مليون دينار

ومن أبرز المعطيات التي تضمنها مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027، حجم تأثر نفقات الدعم بتغير أسعار النفط وسعر صرف الدولار.

فوفق تقديرات وزارة المالية، فإن ارتفاع سعر برميل النفط بدولار واحد يؤدي إلى زيادة نفقات الدعم بنحو 172 مليون دينار، في حين تؤدي زيادة سعر صرف الدولار بعشرة مليمات إلى ارتفاع هذه النفقات بنحو 59 مليون دينار.

وتكشف هذه الأرقام عن حساسية منظومة الدعم للتقلبات الخارجية، إذ يمكن لأي ارتفاع في أسعار النفط أو في قيمة الدولار أن ينعكس مباشرة على الاعتمادات التي تتحملها الدولة لتغطية الفارق بين كلفة التزود بالطاقة وأسعار بيعها في السوق المحلية.

وبذلك، فإن فرضية سعر النفط المعتمدة في ميزانية 2027، والمقدرة بـ80 دولارًا للبرميل، وسعر صرف الدولار، لا تمثل مجرد مؤشرات اقتصادية ضمن إعداد الميزانية، بل عوامل لها تأثير مباشر في حجم الأموال التي ستحتاجها الدولة لضمان توازن منظومة المحروقات والكهرباء والغاز.

كيف ستوزع اعتمادات دعم المحروقات خلال سنة 2027؟

تقدر حاجيات التمويل الضرورية لتوازن منظومة المحروقات والكهرباء والغاز خلال سنة 2027 بنحو 6 مليارات و870 مليون دينار. غير أن منحة الدولة المبرمجة بعنوان دعم المحروقات تبلغ 7 مليارات و90 مليون دينار، بعد الأخذ في الاعتبار تسوية جزء من المتخلدات واتخاذ إجراءات لتحسين الأداء المالي والتجاري للمؤسسات المعنية.

وتتوزع هذه المنحة على النحو التالي ،3 مليارات و414 مليون دينار لفائدة الشركة التونسية لصناعات التكرير و 3 مليارات و676 مليون دينار لفائدة الشركة التونسية للكهرباء والغاز.

كما تمت برمجة 820 مليون دينار لتسوية جزء من المتخلدات السابقة للمؤسستين، منها 320 مليون دينار لفائدة الشركة التونسية لصناعات التكرير، و500 مليون دينار لفائدة الشركة التونسية للكهرباء والغاز.

وفي المقابل، يتضمن المشروع إجراءات يُنتظر أن توفر 600 مليون دينار، من خلال تحسين الأداء المالي والتجاري للشركة التونسية للكهرباء والغاز، وتقليص الخسائر على شبكة الكهرباء، والتحكم في كلفة الإنتاج، إلى جانب مراقبة مسالك توزيع الغاز المسال الموجه للاستهلاك المنزلي.

وتكشف هذه التفاصيل أن الاعتمادات المرصودة لا تتعلق فقط بتغطية كلفة الطاقة خلال سنة 2027، بل تشمل أيضًا تسوية مستحقات متراكمة، في وقت تسعى فيه الدولة إلى تحسين الوضعية المالية للمؤسسات العمومية الناشطة في القطاع والحد من حاجياتها الإضافية للتمويل.

دعم الغاز المنزلي.. الدولة تتحمل الجزء الأكبر من الكلفة

ومن أبرز أوجه الدعم الموجه إلى المحروقات والغاز، الدعم المخصص لقوارير الغاز المنزلي، حيث تتحمل الدولة جزءًا كبيرًا من كلفتها الحقيقية للمحافظة على سعر البيع للعموم.

وتشير المعطيات الواردة في الوثائق إلى أن نسبة الدعم من الكلفة الحقيقية للمحروقات تبلغ في المعدل نحو 29 بالمائة، لكنها ترتفع إلى حوالي 75 بالمائة بالنسبة إلى قارورة الغاز المنزلي، وفق الأرقام الواردة في التقرير.

وتبرز هذه النسبة حجم الفارق بين كلفة توفير هذه المادة وسعر بيعها للمستهلك، كما تفسر جانبًا من أهمية الإجراءات المتعلقة بمراقبة مسالك توزيع الغاز المسال، التي أدرجها مشروع الميزانية ضمن التدابير الرامية إلى التحكم في كلفة منظومة الدعم.

ولا تظهر كلفة الطاقة في ميزانية الدعم وحدها، بل تبرز أيضًا من خلال تدخل الدولة في تمويل حاجيات المؤسسات العمومية وضمان قروضها، وخاصة المؤسسات الناشطة في قطاع الطاقة.

فوفق تقرير التحويلات والضمانات لفائدة المنشآت العمومية والمؤسسات العمومية غير الإدارية، استفادت الشركة التونسية لصناعات التكرير خلال السداسية الأولى من سنة 2026 من ضمان للدولة بقيمة 350 مليون دينار لتمويل وارداتها من المواد البترولية.

كما يوضح التقرير أن الضمانات الممنوحة خلال سنة 2025 لقطاعي الطاقة والصناعة بلغت 2.4068 مليار دينار، أي ما يعادل 45.7 بالمائة من إجمالي ضمانات الدولة الممنوحة للمؤسسات العمومية خلال تلك السنة، ومن بينها 974.1 مليون دينار لفائدة الشركة التونسية للكهرباء والغاز و400 مليون دينار لفائدة الشركة التونسية لصناعات التكرير.

وتبرز هذه المعطيات أن تدخل الدولة في قطاع الطاقة لا يقتصر على رصد منح الدعم، بل يشمل كذلك توفير الضمانات اللازمة لتمويل الواردات والاستثمارات وبعض حاجيات المؤسسات العمومية، وهو ما يستدعي النظر إلى مختلف هذه التدخلات عند تقييم الأعباء المالية المرتبطة بالقطاع.

ترشيد الدعم.. بين كلفة الطاقة والقدرة الشرائية

في المقابل، تؤكد وثيقة إطار الميزانية متوسط المدى للفترة 2027-2029 مواصلة العمل على ترشيد نفقات الدعم، بهدف ضمان مزيد من العدالة والنجاعة في استخدام الموارد العمومية والحد من التبذير، مع البحث عن آليات جديدة للمحافظة على توازن منظومة الدعم وتطوير أدائها.

ولا يقتصر هذا التوجه على دعم المحروقات، بل يشمل أيضًا المواد الأساسية والنقل العمومي. فقد رُصد لدعم المواد الأساسية 4 مليارات و36 مليون دينار خلال سنة 2027، مقابل 4 مليارات و79 مليون دينار مرسمة سنة 2026، فيما تبلغ اعتمادات دعم النقل العمومي 720 مليون دينار.

وتؤكد الوثيقة أن منظومة الدعم تضطلع بدور اجتماعي واقتصادي، من خلال المحافظة على القدرة الشرائية للمواطنين والحد من الفوارق الاجتماعية، وهو ما يجعل أي توجه نحو مراجعة هذه المنظومة مرتبطًا بضرورة تحقيق التوازن بين المحافظة على الأسعار من جهة، والتحكم في النفقات العمومية من جهة أخرى.


وتكشف الأرقام في مجملها أن ارتفاع كلفة الدعم في تونس يرتبط بمجموعة من العوامل، في مقدمتها ارتفاع أسعار النفط خلال سنة 2026 مقارنة بالفرضيات التي بُني عليها قانون المالية، إلى جانب تراجع الإنتاج الوطني من المحروقات والغاز الطبيعي، وارتفاع الحاجيات من الطاقة، والتبعية لواردات الغاز والمواد النفطية، فضلًا عن تأثير سعر صرف الدولار.

أما بالنسبة إلى سنة 2027، فإن رصد أكثر من 7 مليارات دينار لدعم المحروقات والكهرباء، إلى جانب تسوية جزء من المتخلدات واتخاذ إجراءات لتحسين أداء المؤسسات المعنية، يعكس حجم التحدي الذي تواجهه المالية العمومية في هذا القطاع.

 

كريم وناس

share