languageFrançais

'تانيت'.. من جربة إلى تطاوين لإعادة رسم خريطة السياحة البديلة

لم تعد معادلة السياحة في تونس تختزل في الشواطئ والفنادق والإقامة السياحية، فالثروات الطبيعية والثقافية التي تزخر بها المناطق الداخلية والجنوبية تفتح الباب اليوم أمام نموذج آخر يقوم على التجربة والاكتشاف والتراث والبيئة، وهو الرهان الذي حاول مشروع «تانيت» المدعوم من الاتµحاد الأوروبي ترسيخه خلال الفترة 2024–2026.

المشروع، الذي أطلق رسميا في تونس في سبتمبر 2024، تنفذه Leaders International بالشراكة مع Museum Lab وبالتعاون مع وزارة السياحة، ويهدف إلى دعم السياحة البديلة والمستدامة والشاملة، وتعزيز دور المجتمع المدني والفاعلين المحليين في صناعة منتوج سياحي مرتبط بخصوصيات كل منطقة.

وتبرز أهمية المشروع في سياق قطاع يمثل أحد أعمدة الاقتصاد التونسي، فقد بلغت مساهمة السياحة 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2023، في حين سجلت عائدات السياحة ارتفاعا بـ6.8% على أساس سنوي إلى نهاية أوت 2024، وفق معطيات منشورة عند إطلاق «تانيت».

8 ولايات خارج النموذج السياحي التقليدي

منذ انطلاقه، استهدف «تانيت» ثماني ولايات هي جندوبة والكاف وسليانة وباجة وزغوان ومدنين وقابس وتطاوين، وهي مناطق تمتلك موارد سياحية مختلفة عن العرض الشاطئي التقليدي، من الجبال والغابات إلى الواحات والصحراء والتراث المعماري والحرف والصناعات التقليدية.

وفي مرحلته الأولى، حُددت قائمة من 35 جمعية لتكون مستفيدة من المشروع، مع التركيز على قدرة منظمات المجتمع المدني على تطوير مبادرات سياحية مرتبطة بالمجتمعات المحلية وبالموروث الطبيعي والثقافي.

لكن المعطيات المتعلقة بالمرحلة الختامية تشير إلى أن المشروع عمل فعليا مع 32 منظمة من منظمات المجتمع المدني خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2026، في ثماني ولايات، بهدف تطوير تجارب سياحية بديلة مرتبطة بالتراث والطبيعة والمعارف والمهارات المحلية.

جربة.. أكثر من شاطئ وفندق

في الجنوب الشرقي، يكتسب المشروع أهمية خاصة لأنه لا ينظر إلى جربة باعتبارها مجرد جزيرة سياحية شاطئية، بل باعتبارها جزءا من منظومة أوسع يمكن أن تجمع بين التراث والبيئة والثقافة والمنتجات المحلية.

وتعمل جمعيات محلية دعمتها منظومة «تانيت» على تثمين التراث العمراني والثقافي للجزيرة، ودعم السياحة المسؤولة والبيئية، وتطوير تجارب أكثر ارتباطا بالمجتمع المحلي.

ومن بين هذه المبادرات جمعية صيانة جزيرة جربة ASSIDJE التي تشتغل على حماية التراث الثقافي والبيئي، وتطوير أدوات للتصرف في الوجهة السياحية، إلى جانب جمعية جربة إنسوليت التي تركز على السياحة المسؤولة والسياحة البيئية وإشراك المجتمعات الريفية.

وهنا يكمن أحد أهم التحولات التي يسعى المشروع إلى تحقيقها، تحويل السائح من مستهلك لخدمة فندقية إلى مشارك في تجربة محلية تشمل الثقافة والطبيعة والغذاء والحرف والتاريخ.

من جربة إلى تطاوين.. مسار سياحي واحد

الرهان الأبرز في الجنوب لا يتعلق فقط بتطوير كل منطقة بمفردها، وإنما بربطها في مسارات سياحية متكاملة.

وفي أوت 2026، ومع اقتراب اختتام المشروع، نظم «تانيت» رحلة تعريفية جنوبية امتدت على مسار جربة – بني خداش – تطاوين – جربة، في خطوة تهدف إلى تقديم هذه المناطق كمنظومة سياحية مترابطة، وليس كوجهات منفصلة.

وتحمل هذه المعادلة أهمية اقتصادية واضحة، فالسائح الذي يقضي كامل إقامته في منطقة ساحلية لا يترك سوى جزء محدود من إنفاقه في المناطق الداخلية.

أما ربط جربة بالقرى والمناطق الجبلية والتراثية في مدنين وتطاوين، فيمكن أن يوسع دائرة المستفيدين لتشمل أصحاب الإيواء البديل، والمرشدين، والحرفيين، والمنتجين المحليين، والمطاعم، وأصحاب التجارب الثقافية والبيئية.

وتملك منطقة بني خداش والظاهر تحديدا مقومات يمكن أن تدعم هذا النوع من السياحة، من التراث العمراني والمشهد الطبيعي إلى الفلاحة التقليدية والحرف والمطبخ المحلي.

كما أن شبكة «تانيت» تبرز وجود مبادرات محلية تعمل على تطوير السياحة المستدامة والتجارب الغارقة في خصوصيات المنطقة.

من تمويل الجمعيات إلى خلق اقتصاد محلي

الرهان الحقيقي للمشروع لا يقاس بعدد الجمعيات التي تلقت الدعم فقط، بل بمدى قدرتها على تحويل الموارد المحلية إلى منتجات سياحية قابلة للبيع والاستمرار.
وتوضح الجهة المنفذة أن «تانيت» يستهدف دعم المؤسسات والمشاريع الصغرى والمتوسطة المحلية وخلق فرص عمل، إلى جانب الضغط من أجل سياسات عمومية تدعم السياحة المستدامة والبديلة. 

كما يركز المشروع على الحد من الضغط البيئي المتزايد على المناطق الساحلية عبر تنويع العرض السياحي نحو المناطق الداخلية.

وهذا البعد مهم بالنسبة إلى الجنوب التونسي، حيث لا تكمن المشكلة في غياب المقومات السياحية، وإنما في تحويلها إلى منتج اقتصادي منظم ومتاح للسائح وقابل للتسويق.

فالموقع الأثري أو القرية التقليدية أو الحرفة المحلية لا تتحول تلقائيا إلى منتج سياحي، حيث أن الأمر يتطلب مسارا واضحا، ومعلومات، ونقلا، وتأطيرا، ومرشدا، وتسعيرا، وآلية للحجز والتسويق، والأهم ربط هذه التجربة بشبكة وكالات الأسفار ومؤسسات الإيواء.

مليون يورو.. ماذا بعد انتهاء المشروع؟

تصنف الجهة المنفذة ميزانية المشروع ضمن نطاق 1 إلى 5 ملايين يورو، بينما تشير معطيات سابقة متداولة حول المشروع إلى تمويل في حدود مليون يورو، لذلك لا ينبغي التعامل مع رقم المليون يورو باعتباره الميزانية النهائية المؤكدة. وفي المقابل، فإن المشروع وصل فعليا إلى مرحلة الختام،  إذ نظمت يومي 26 و27 أوت 2026 رحلتان تعريفيتان للإعلام وصناع المحتوى إلى الشمال والجنوب، بهدف إبراز التجارب التي طورتها المجتمعات المحلية والمنظمات المستفيدة ومنحها قدرة أكبر على الوصول إلى الزوار والشركاء والأسواق بعد انتهاء المشروع.

وهذا يكشف أن المعركة الأخيرة لـ«تانيت» ليست في التمويل، وإنما في استدامة النتائج.

وفي المقابل، إذا بقيت هذه المبادرات مرتبطة بالمشاريع الممولة والرحلات التعريفية دون أن تجد مكانها في السوق السياحية، فإن خطر العودة إلى النموذج التقليدي سيظل قائما.

وإذا نجح الربط بين البحر في جربة، والجبال والصحراء والتراث في تطاوين والظاهر، فقد تتحول التجربة من مشروع ممول إلى نموذج قابل للتكرار، يعيد رسم خريطة السياحة التونسية على أساس التنوع والاستدامة والعدالة في توزيع العائد السياحي.

وهنا تحديدا يقف مشروع «تانيت» أمام امتحانه الحقيقي، ليس إطلاق السياحة البديلة، بل جعلها قادرة على الاستمرار بعد انتهاء المشروع.

صلاح الدين كريمي