سوسن معالج: 'في تونس إمّا المال...أو الإسم'
في حوارها لبرنامج "كورنيش ويكاند"، الأحد 5 جويلية 2026، تنقّلت الممثلة والإعلامية التونسية سوسن معالج بين محطات طفولتها، وتأثير جدّتها في تكوين شخصيتها، ونظرتها إلى الفن والإعلام، وصولا إلى انتقاداتها لواقع القطاع الثقافي في تونس، ومواقفها من الشهرة والمال، كما تحدثت عن مخاوفها الشخصية، وعلاقاتها داخل الوسط الفني، وما تعتبره ظلما طال مسيرتها، خاصة في السينما.
استهلت سوسن معالج حوارها بمقارنة مكانة الفكر والثقافة في "زمن العولمة"، معتبرة أن الصحافة والفكر كانا يحظيان في السابق بقيمة أكبر مما هما عليه اليوم، في وقت أصبحت فيه المظاهر والماديات والشهرة السريعة تتصدر المشهد. ورأت أن الفارق كبير بين من يمارس مهنته بدافع الشغف والحب، ومن يسعى فقط إلى أن يكون "ترند" على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتطرّق الحوار إلى مرحلة طفولتها التي وصفتها بأنها كانت "قصيرة"، لأن وفاة والدها جعلتها تكبر قبل أوانها وتحرم من كثير من تفاصيل الطفولة، لكنها شددت في المقابل على أنها تحتفظ بذكريات جميلة عن تلك المرحلة، مؤكدة أن جدتها تركت أثرا عميقا في شخصيتها وكانت صاحبة الفضل الأكبر في تنشئتها.
وتعتبر سوسن معالج نفسها "صنيعة جدتها"، فمنها تعلمت حب الغناء والموسيقى، والإعجاب بالعديد من الفنانين على غرار صليحة ووردة الجزائرية، إلى جانب الطبخ والالتزام بالمواقف الوطنية، خاصة وأن جدّتها كانت منخرطة في الحركة الوطنية.
وأشارت إلى أن الإذاعة كانت إحدى النوافذ الأساسية التي تعرّفت من خلالها على الفن والثقافة، في زمن كانت فيه وسائل الوصول إلى المعرفة محدودة مقارنة بما هو متاح اليوم.
واستحضرت ضيفة "كورنيش ويكاند" ذكرياتها في منطقة خير الدين والضاحية الشمالية للعاصمة عموما، ووصفت تلك الفترة بأنها كانت تتسم بالبساطة والأمان، حيث كان الأطفال يعيشون بحرية أكبر ودون خوف أو تعقيدات، معتبرة أن انتشار العنف في السنوات الأخيرة غيّر كثيرا من ملامح الحياة اليومية.
وفي حديثها عن الدراسة، تقول سوسن معالج بأنها كانت تلميذة مجتهدة، لكنها في الوقت نفسه كثيرة الشغب، حتى إنها كانت تعتبر المدرسة "سجنا"، وكانت تحاول التخفيف من وطأة ساعات الدراسة الطويلة بالمشاغبة. وأضافت أن بعض الأساتذة كانوا يحبونها ويقدرون شخصيتها، في حين كان آخرون ينفرون منها، وخاصة أساتذة الرياضيات، الذين كانت علاقتها بهم سيئة إلى حد طردها من القسم في أكثر من مناسبة.
وتوقفت أيضا عند الفترة التي عاشت فيها نهاية التسعينات وبداية الألفينات، ووصفتها بأنها كانت فترة "أوج الميوعة"، معتبرة أن المجتمع كان يفرض على الفتاة أن تكون إما صاحبة شخصية صاخبة ولسان سليط، أو أن تُصنَّف ضمن خانة الفتاة "المايعة"، وهو ما كانت ترفضه.
وأكدت أنها لا تحتمل الظلم والفساد بمختلف أشكالهما، كما لا تتسامح مع ما وصفته بـ"البهامة"، مشيرة إلى أن هذه المبادئ ظلت ترافقها في حياتها الشخصية والمهنية.
وفي ما يتعلق بمسيرتها الفنية، شددت سوسن معالج على أنها لم تقدم طوال مشوارها أي عمل لا تقتنع به، مؤكدة أنها لا تسعى وراء المال، ولا تقبل التنازل عن مبادئها أو "بيع نفسها" من أجل المكاسب المادية.
وقالت إن الفنان في تونس غالبا ما يجد نفسه أمام خيارين: إما تحقيق المال أو بناء اسم يبقى في الذاكرة، أما الجمع بين الاثنين مع المحافظة على حرية الاختيار الفني فليس بالأمر السهل. وأضافت أن الواقع الحالي أصبح يدفع الكثيرين إلى القيام بأي شيء من أجل العيش، معتبرة أن هذا السلوك ليس ضمن خياراتها.
وأوضحت أن عملها كممثلة وإعلامية يتطلب فكرا ووعيا، معربة عن انزعاجها من حصرها لسنوات في أدوار الفتاة الجميلة المنتمية إلى طبقة اجتماعية معينة.
وربطت ذلك بحالة الفوضى التي يعيشها القطاع الفني، واصفة إياه بأنه "سوق ودلال"، لكنّه ترى بأنّ هذا الواقع بدأ يتغير تدريجيا مع ظهور جيل جديد من المخرجين يحمل رؤية مختلفة وأكثر انفتاحا.
وفي سياق آخر، قالت معالج إن معظم المخاوف التي عاشتها تحققت بالفعل، موضحة أنها كانت تخشى الزواج ثم تزوجت وانتهى زواجها بالطلاق الذي كانت تخشى حدوثه كذلك، وكانت تخاف الإنجاب ثم أصبحت أما، كما كانت تخشى رحيل الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ثم غادر الحكم، وكانت تخشى وصول "الخوانجية" إلى السلطة وهو ما حدث، فضلا عن خوفها الدائم من فقدان الأحباء، وهو ما عاشته أكثر من مرة.
وكشفت أيضا عن شعورها ببعض العتاب تجاه المخرجة سوسن الجمني لعدم دعوتها في أعمالها، معتبرة أن قلة عدد المخرجات في تونس تجعل فرص التعاون بين النساء في المجال محدودة.
وتحدثت عن تأثير المهنة على الحياة العائلية، معتبرة أن اشتغال الزوجين في المجال الفني نفسه ينعكس سلبا على الحياة الخاصة بسبب ضغط العمل وضعف العائدات المالية، مضيفة أن المسرح والسينما في تونس لا يوفران مستوى معيشيا يتجاوز الطبقة المتوسطة الدنيا.
ولم تخف معالج شعورها بالمرارة والإحباط بسبب عدم حصولها، إلى اليوم، على دور في فيلم سينمائي طويل، معتبرة أن هذا الأمر يمثل إحدى أكبر خيباتها المهنية.
كما تطرقت سوسن معالج إلى علاقاتها داخل الوسط الفني، مؤكدة أن الفنان محمد علي بن جمعة يعد من أقرب الأشخاص إليها، وأن علاقة صداقة متينة تجمعهما، مضيفة أنه وقف إلى جانبها منذ بداياتها الفنية، وكان بالنسبة إليها بمثابة الأخ الأكبر الذي قدم لها الدعم والحماية في مرحلة كانت تشق فيها طريقها داخل الساحة الفنية.