'نومة'.. صرخة مسرحية ضد الجهل بالمرض النفسي
لم يكن العرض الأوّل لمسرحية "نومة"، الذي احتضنته قاعة الفن الرابع، مجرد موعد مسرحي جديد بل بدا أشبه برحلة داخل أكثر المناطق هشاشة في النفس البشرية. فمنذ اللحظات الأولى، تضع المخرجة دليلة مفتاحي الجمهور أمام عمل لا يبحث عن الإمتاع بقدر ما يراهن على زعزعة اليقين وطرح أسئلة ثقيلة حول الاكتئاب ، الانتحار وحدود القدرة على التمسك بالحياة.
الموسيقى في "نومة" لا ترافق المشاهد فحسب بل تقلق المتلقي وتربك حواسه فيما يتحول الديكور المستوحى من مستشفى للأمراض النفسية والعقلية إلى فضاء يذيب الحدود بين الطبيب والمريض وبين من يعالج ومن يحتاج هو الآخر إلى العلاج. فلا يكاد المشاهد يميز من يحمل المرض ومن يخفيه، إذ تبدو الشخصيات جميعها محاصرة بجراحها الداخلية، في تأكيد لرؤية العمل التي تختزلها عبارة دليلة مفتاحي: "في المسرحية جميع الشخصيات مرضى".
انطلقت المسرحية من نص كتبته دنيا مناصرية، بينما تولت دليلة مفتاحي الإخراج والسينوغرافيا بمشاركة كل من لطفي تركي، كمال الكعبي، فوزية بدر، محمد أمين الزواوي، دليلة مفتاحي، ضحى والي، سفيان بن ظافر، جلال مصدق وطاهر الرضواني.
شخصيات تسكنها المفارقات
يبني العمل شخصياته على منطق الثنائيات بين الحياة والموت وبين الفعل واللاشيء وبين الأمل والاستسلام. فالبطلة كاتبة فقدت ابنتها لتجد نفسها تغرق تدريجياً في الاكتئاب بينما يتحول الطبيب النفسي الذي يفترض أن يكون طوق النجاة، إلى شخصية متصدعة هي الأخرى.
ويؤكد الممثل لطفي التركي الذي يجسد شخصية الطبيب أن هذا الأخير يحمل مفارقات عديدة إذ يشعر بالفشل في إقناع مريضته بالعدول عن فكرة الموت إلى أن يصبح هو نفسه يبحث عن الراحة في الموت في تجسيد لفكرة أن الطبيب أيضاً قد يحتاج إلى طبيب.
من العبث إلى سؤال البقاء
لا تخفي "نومة" تقاطعها مع الفلسفة العبثية وتحديداً مع أسطورة سيزيف كما قرأها ألبير كامو، حيث يصبح السؤال الأساسي: لماذا نواصل العيش رغم الألم؟
غير أن المسرحية لا تقدم إجابات جاهزة بل تدفع الجمهور إلى التفكير في الإنسان الذي يرى في الموت خلاصاً رغم أن غريزة البقاء هي الغريزة الأكثر رسوخاً في البشر.
في هذا السياق، توضح الكاتبة دنيا مناصرية أنّ أشهر البحث التي سبقت كتابة النص جعلتها تكتشف عالماً ينظر فيه بعض الأشخاص إلى الموت باعتباره راحة مؤكدة أنها أرادت الغوص في دواخل الشخصيات التي لم تعد ترى للحياة معنى رغم شعورها بأن الرسالة ما تزال أكبر من أن تحتويها الكلمات.
الكوميديا السوداء
ورغم قسوة الموضوع، اختارت دليلة مفتاحي معالجته عبر الكوميديا السوداء في محاولة لجعل الضحك مدخلاً للتأمل لا للهروب.
ترى المخرجة دليلة المفتاحي أنّ المسرحية ليست فقط عن الانتحار بل عن الجهل بالمرض النفسي قائلة "إنّ العلاج النفسي ضرورة وإن الإنسان لم يُخلق ليعيش فقط بل ليحيا". وتضيف أن نجاح العمل يتحقق إذا غادر متفرج واحد القاعة وهو يطرح سؤالاً جديداً على نفسه.
أما الممثلة فوزية بدر، فقد اعترفت بأن الشخصية أثقلت كاهلها منذ القراءة الأولى للنص مشيرة إلى أنها أمضت الأشهر الأولى من التحضيرات تبكي قبل أن تسمع من دليلة مفتاحي جملة ظلت ترافقها طوال البروفات: «هؤلاء المرضى لا يبكون… بل يعيشون في صمت.»
وأضافت أن الفن الحقيقي هو الذي “يزعزع الكيان أو لا يكون” لأنه يفتح مساحات للأسئلة أكثر مما يقدم الإجابات قبل أن توجه رسالة مباشرة إلى الأولياء دعتهم فيها إلى إغراق أبنائهم بالحب وتعزيز ثقتهم بأنفسهم والإيمان بأن الاحتواء والحوار قادران على صناعة المعجزات.
إشادات وحضور لافت
شهد العرض الأول حضور عدد من الفنانين والإعلاميين كما نال العمل إشادة من الممثل زهير الرايس الذي اعتبر أن «نومة» تحمل طاقة تمثيلية كبيرة وأن جميع عناصرها جاءت منسجمة لخدمة موضوع الانتحار لدى الأطفال، مضيفاً أن حتى القبح داخل العرض تحول إلى عنصر جمالي وأن المسرحية تستحق أن تجد مكانها في المهرجانات.
في «نومة» لا يغادر المتفرج القاعة وهو يحمل قصة فحسب، بل يخرج مثقلاً بأسئلة عن الإنسان وعن هشاشته وعن ذلك الألم الذي لا يُرى بالعين. إنها مسرحية لا تضع الاكتئاب في الهامش، بل في قلب الخشبة لتذكر بأن الصحة النفسية ليست ترفاً وأن مرضى الاكتئاب لا يحتاجون إلى الأحكام المسبقة بقدر حاجتهم إلى الصبر، والاحتواء، والإصغاء.
ليندا بالحاج