البنك الدولي: 112 مليار دولار لتمويل التنمية ومواجهة فجوة الوظائف
البنك الدولي يحذّر من فجوة بـ800 مليون فرصة عمل ويدعو إلى إعادة ابتكار تمويل التنمية..
حذّر أجاي بانغا، رئيس مجموعة البنك الدولي، من فجوة مرتقبة في سوق العمل العالمي قد تبلغ 800 مليون فرصة عمل خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة، في ظلّ توقّعات بدخول نحو 1.2 مليار شاب إلى سوق العمل في البلدان النامية، مقابل إمكانية توفير نحو 400 مليون وظيفة فقط.
وفي كلمته خلال الجلسة العامة للاجتماعات السنوية لعام 2026 للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، شدّد بانغا على أن مواجهة هذا التحدي تستوجب إعادة صياغة نموذج تمويل التنمية، والانتقال من المقاربات التقليدية إلى منظومة أكثر قدرة على تعبئة رأس المال الخاص، وتوسيع الاستثمار، وتسريع تنفيذ المشاريع التي تخلق فرص العمل.
واعتبر أن التحدي لم يعد يقتصر على توفير التمويلات، بل أصبح مرتبطاً بقدرة المؤسسات الدولية على تحويل الموارد المتاحة إلى استثمارات واسعة النطاق، تستجيب لاحتياجات البلدان وتوفر فرصاً اقتصادية للأجيال الجديدة.
112 مليار دولار من التمويلات الخاصة
وفي استعراضه لتطور تدخلات مجموعة البنك الدولي، كشف بانغا أن حجم التمويلات الخاصة التي نجحت المجموعة في تعبئتها ارتفع من نحو 35 مليار دولار في السنة المالية 2022 إلى 112 مليار دولار في السنة المالية الماضية، في مؤشر على تنامي دور الاستثمار الخاص في تمويل المشاريع التنموية.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع هذه الجهود، من خلال تعزيز التعاون مع المستثمرين والمؤسسات المالية، والتقرب من مراكز القرار الاقتصادي والمالي العالمية، بما يتيح تسريع معالجة العقبات التي تحول دون إنجاز المشاريع وتحسين قدرتها على استقطاب التمويلات.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن الإصلاحات التي اعتمدتها المجموعة أسهمت في تقليص المدة اللازمة لإعداد المشاريع من 19 شهراً إلى تسعة أشهر، إلى جانب تبسيط مؤشرات المتابعة والتركيز على النتائج الفعلية للتدخلات التنموية.
كما أتاحت التغييرات المتعلقة بالميزانية العمومية للمؤسسة توفير أكثر من 100 مليار دولار من القدرة الإضافية على الإقراض خلال عشر سنوات، وفق الأرقام التي عرضها رئيس المجموعة.
ستة بنوك دولية تبحث عن آلية جديدة لتحرير رأس المال
ومن أبرز المقترحات التي عرضها بانغا تطوير آلية مشتركة بين ستة بنوك تنمية متعددة الأطراف، تسمح بتقييم الاستثمارات وتوثيقها وتجميعها ثم نقلها إلى مستثمرين آخرين.
وتقوم الفكرة على معالجة إحدى المعضلات الهيكلية لتمويل التنمية: ارتباط رأس المال بمشاريع طويلة الأجل، بما يحد من قدرة المؤسسات الإنمائية على إعادة توظيف الموارد نفسها في استثمارات إضافية.
وأوضح بانغا أن تمويل مشروع للطاقة قد يربط رأس المال لعقود، في حين تحتاج البلدان إلى استثمارات أخرى في المياه والنقل والصحة والبنية التحتية.
وفي المقابل، تمتلك صناديق التقاعد وشركات التأمين وصناديق الثروة السيادية رؤوس أموال ضخمة تبحث عن استثمارات طويلة الأجل.
ومن شأن الربط بين هذه الموارد والمشاريع التنموية أن يتيح نقل بعض الاستثمارات إلى مستثمرين آخرين، وتحرير رأس المال لإعادة استخدامه في مشاريع جديدة، بما يوسع القدرة التمويلية للمؤسسات الإنمائية.
ويراهن البنك الدولي على أن يؤدي تعميم هذه الآلية عبر المؤسسات والأسواق إلى نشوء سوق أوسع للأصول الإنمائية في الأسواق الصاعدة، بما يفتح المجال أمام تعبئة موارد تتجاوز الإمكانات المالية التقليدية للمؤسسات الدولية.
رهانات بمئات الملايين
وفي مواجهة التحديات التنموية، استعرض رئيس مجموعة البنك الدولي برامج تستهدف توسيع النفاذ إلى الخدمات الأساسية، باعتبارها شرطاً لخلق بيئة اقتصادية قادرة على جذب الاستثمار وتوفير الوظائف.
وفي قطاع الطاقة، تستهدف مبادرة «Mission 300»، بالشراكة مع البنك الإفريقي للتنمية، توفير الكهرباء لنحو 300 مليون شخص في إفريقيا بحلول عام 2030، فيما أشار بانغا إلى استفادة 59 مليون شخص من النفاذ إلى الكهرباء حتى الآن.
وفي مجال المياه، تعمل المؤسسة مع شركائها على تحسين الأمن المائي لنحو مليار شخص بحلول عام 2030، مع استهداف مجموعة البنك الدولي المساهمة في تحسين ظروف 400 مليون شخص.
أما في الصحة، فتستهدف مبادرة «HealthWorks» توسيع النفاذ إلى خدمات صحية ذات جودة وكلفة ميسرة لفائدة 1.5 مليار شخص بحلول عام 2030، وفق ما ورد في الكلمة.
وتعكس هذه البرامج، بحسب توجهات المؤسسة، ترابط الاستثمار في البنية التحتية والخدمات الأساسية مع تحسين الإنتاجية وتوسيع النشاط الاقتصادي، خصوصاً في البلدان التي تواجه قيوداً مالية وتنموية.
ولم يغفل بانغا دور التكنولوجيا في إعادة تشكيل الاقتصاد، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم في تحسين الإنتاجية وتطوير الخدمات، من خلال تطبيقات عملية في الفلاحة والتعليم والصحة وريادة الأعمال.
غير أن تحقيق هذه المكاسب يتطلب توفير البنية التحتية الضرورية، وفي مقدمتها الكهرباء والاتصال الرقمي، إلى جانب تطوير المهارات البشرية وتوسيع القدرة على استخدام التكنولوجيا.
وتقوم المقاربة التي عرضها رئيس البنك الدولي على توظيف التكنولوجيا لتعظيم الأثر التنموي لكل دولار مستثمر، بدلاً من التعامل معها باعتبارها غاية مستقلة عن حاجات الاقتصاد والمجتمع.
وفي ختام كلمته، أعاد بانغا التأكيد على أن فجوة الوظائف المتوقعة ليست مجرد مؤشر اقتصادي، بل تحدٍّ يرتبط بالكرامة الإنسانية والاستقرار الاجتماعي وقدرة الشباب على بناء مستقبلهم.
وقال إن وراء هذه الأرقام شباباً يمتلكون المؤهلات والمهارات، لكنهم لا يجدون فرصاً للعمل، أو يفتقرون إلى الموارد والبنية التحتية التي تسمح لهم بتحويل قدراتهم إلى نشاط اقتصادي.
وشدد على أن عدم استغلال هذه الطاقات قد تكون له تداعيات تتجاوز الحدود الوطنية، في حين يمكن أن تنتقل منافع الاستثمار والتشغيل بين البلدان والأسواق.
وبناء على ذلك، يدعو البنك الدولي إلى نموذج تنموي يجمع بين التمويل العمومي والاستثمار الخاص والعمل الخيري والتكنولوجيا، مع توجيه كل أداة إلى المجالات التي تحقق فيها أكبر أثر ممكن.
وتتمثل الرسالة الأساسية للكلمة في أن تقليص فجوة الوظائف لن يتحقق بمجرد زيادة التمويل، بل يتطلب تغيير طريقة تعبئة رأس المال وتوظيفه، وتسريع إنجاز المشاريع، وتوسيع دور القطاع الخاص، حتى تتحول الاستثمارات إلى فرص عمل فعلية.
صلاح الدين كريمي