languageFrançais

'جدل'.. حفلان في تونس بطلب من الجمهور

عادت فرقة 'جدل' إلى تونس بعد غياب لثلاث سنوات عن جمهورها، لتؤكد أن بعض الموسيقى لا يقطعها الغياب، وأن الأغاني التي تسكن الذاكرة تستطيع أن تعود، بعد سنوات، فتجد جمهورها في انتظارها بالكلمات نفسها والحماس نفسه، وربما أكثر.

في الدورة الحادية عشرة من أيام قرطاج الموسيقية، عادت الفرقة الأردنية إلى تونس لتجد أمامها جمهورا لم يكتفِ بالانتظار، بل حوّل موعدها يوم 7 أكتوبر 2026 إلى حدث موسيقي كامل. فقد نفدت تذاكر الحفل الأول في وقت قياسي، قبل أن يأتي الإعلان عن حفل ثانٍ بطلب من الجمهور، في إشارة واضحة إلى حجم الترقب الذي رافق عودة ''جدل'' إلى تونس.

ثلاث سنوات من الغياب لم تكن كافية لقطع الخيط الذي يجمع الفرقة بجمهورها التونسي. وما إن صعد أعضاء ''جدل'' إلى الركح حتى بدا واضحا أن العلاقة لم تبدأ تلك الليلة فالجمهور كان يعرف الأغاني، يحفظ كلماتها، ويرددها قبل أن تكتمل الجملة الموسيقية. لم يعد الحضور متلقيا ينتظر ما سيقدمه الفنان، بل أصبح جزءا من العرض نفسه.

موسيقى الروك تدفع بالإيقاع إلى الأمام

وتدريجيا، تحوّل الفضاء إلى موجة من الصوت والحركة. غناء جماعي، رقص، هتافات وتصفيق، فيما كانت موسيقى الروك تدفع بالإيقاع إلى الأمام. ومع كل أغنية، كانت المسافة بين الركح والجمهور تضيق أكثر، حتى بدا أن الحفل يصنع من الجهتين معا: الفرقة تعزف، والجمهور يردّ، والأغاني القديمة تستعيد شبابها في أصوات جديدة.

ولعلّ خصوصية ''جدل'' تكمن تحديدا في هذه القدرة على تحويل الروك إلى لغة عربية قريبة من تفاصيل الحياة اليومية، من أسئلة الشباب إلى الحب والقلق والتمرد والبحث عن الذات. منذ تأسيسها في الأردن سنة 2003، اختارت الفرقة أن تجعل العربية جزءا أساسيا من مشروعها الموسيقي، وأن تفتح من خلالها مساحة مختلفة لموسيقى الروك في العالم العربي. ولهذا تبدو علاقة ''جدل'' بالجمهور التونسي مختلفة. فالأغاني لم تصل إلى تونس بوصفها منتجا موسيقيا بعيدا، وإنما رافقت جزءا من ذاكرة جيل كامل اكتشف فيها صوتا يشبهه، وموسيقى لا تطلب منه أن يختار بين هويته العربية وموسيقى العالم.

وفي الحفل، لم يكن الحنين وحده هو المحرّك. ''جدل'' لم تعد إلى تونس لتستعيد الماضي فقط، بل لتثبت أن تجربتها مازالت قادرة على صناعة لحظة حية، وأن الجمهور الذي عرفها قبل سنوات قادر على استقبالها اليوم بطاقة جديدة.

حفل ثان استجابة للجمهور

ومن أغنية إلى أخرى، كان واضحا أن السنوات الثلاث لم تضعف الصلة، بل ربما زادت من قيمة اللقاء. فهناك أغان لا تنتهي بانتهاء سماعها تظل معلقة في الذاكرة، تنتظر فقط أن تعود الفرقة إلى الركح حتى تستعيد مكانها في الصوت الجماعي.

حفل أول نفدت تذاكره بسرعة، ثم حفل ثان جاء استجابة للجمهور، وفي الحفلين كانت الرسالة واحدة: هناك موسيقى لا تحتاج إلى موعد كي تبقى حاضرة، الجمهور كان يعزف معها، يغني معها ويرقص معها، ويؤكد أن الروك العربي، حين يجد لغته وجمهوره، يستطيع أن يصنع ذاكرة تتجاوز الحفل نفسه.

ثلاث سنوات من الغياب انتهت بليلتين من الموسيقى.. لكنّ ''جدل'' تؤكّد أن الحكاية بينها وبين وتونس لم تنته بعد.

 

الواثق بالله شاكير 
 

share