سيّدات الرّاي.. حين تستعيد الجزائر أصوات نسائها
لم يكن حضور الراي في أيام قرطاج الموسيقية، مجرد عودة إلى لون موسيقي ارتبط طويلا بالذاكرة المغاربية، بل كان استعادة لصفحة كاملة من تاريخه، تلك التي كتبتها النساء بأصواتهن وتجاربهن وجرأتهن على تحويل الحياة اليومية إلى أغنية.
ومن هذه الزاوية جاء عرض ''سيدات الراي''، المستلهم من تجربة ''مقهى باربيس'' لمزيان عزايش، ليعود إلى البدايات النسائية لفن الراي في الغرب الجزائري، ويضع في واجهة المشهد أسماء رائدات مثل الشيخة الريميتي وخيرة قندل وزهرة بنت عودة، في محاولة لإعادة الاعتبار إلى أصوات لم تكن مجرد جزء من تاريخ الراي، بل كانت من بين الأصوات التي أسهمت في تشكيل لغته وملامحه ومساحته التعبيرية.
مساحة للتعبير عن مجتمع كامل
ففي تلك البدايات، لم تكن ''الشيخة'' مجرد مؤدية لأغان شعبية، وإنما كانت مساحة للتعبير عن مجتمع كامل، وعن تفاصيل الحياة التي يصعب أحيانا قولها خارج الموسيقى: الحب والجسد والفراق والغيرة والفقر والهجرة والتحولات الاجتماعية، كلها وجدت طريقها إلى الأغنية، وتحولت التجربة النسائية إلى نوع من الكتابة الشفوية التي تحفظ ما لا تحفظه الوثائق. كانت المرأة تغني عن عالمها، ولكنها في الوقت نفسه كانت ترسم صورة لمجتمعها، ولذلك ارتبط صوتها بذاكرة الناس وبالأمكنة وبالتحولات التي عرفها المجتمع الجزائري والمغاربي على امتداد عقود.
ومن هنا تكتسب استعادة هذه الأصوات اليوم دلالة تتجاوز الحنين إلى الأغنية القديمة. فحين تعود الريميتي وقندل وبنت عودة إلى الواجهة، فإن الذي يعود ليس الصوت وحده، وإنما جزء من تاريخ اجتماعي وثقافي ظل حاضراً في الذاكرة الشعبية، لكنه لم يحظ دائما بالمساحة نفسها داخل السردية الموسيقية الرسمية. ويعيد ''سيدات الراي'' طرح السؤال حول الدور الذي لعبته النساء في صناعة هذا الفن، وفي منحه تلك القدرة الاستثنائية على التقاط تفاصيل الحياة وتحويلها إلى خطاب غنائي قريب من الناس، قبل أن يصبح الراي ظاهرة موسيقية تتجاوز الجزائر والمغرب العربي لتصل إلى جمهور أوسع.
الأرشيف إلى الخشبة، ومن الذاكرة إلى الحاضر
ومع الشيخة حجلة وفلة الجابونية، ينتقل هذا الإرث من الأرشيف إلى الخشبة، ومن الذاكرة إلى الحاضر، في عرض لا يكتفي بإعادة أداء الأغنيات، وإنما يفتحها على قراءة جديدة من خلال فرقة يقودها محمد عبد النور، وتتداخل فيها الموسيقى الحية مع الحكي والصورة والوثيقة. بذلك لا يصبح الماضي نقطة وصول، بل نقطة انطلاق، وتتحول الأغنية القديمة إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل، تستعيد روحها الأولى دون أن تبقى أسيرة زمنها. إنها محاولة لبناء جسر بين جيل صنع الراي في ظروف اجتماعية وثقافية مختلفة، وجمهور معاصر يستطيع أن يجد في تلك الأغنيات أسئلة ومشاعر لا تزال قريبة منه.
ويبدو هذا الخيار منسجما مع الروح التي طبعت تجارب عدة في أيام قرطاج الموسيقية، حيث لم تتعامل المشاريع المشاركة مع الموسيقى باعتبارها قالبا ثابتا، وإنما باعتبارها مساحة لإعادة التفكير في العلاقة بين الذاكرة والحاضر. ففي التجارب التونسية، عاد الروك إلى أسئلة المجتمع وتحولاته، فيما انفتح الميتال على إفريقيا بوصفها مرجعاً إيقاعياً وجمالياً، وأعاد الروك في شرق المتوسط تركيب المقامات والذاكرة العربية داخل بنى موسيقية معاصرة تستفيد من الروك والإلكترونيات وغيرها من التعبيرات الحديثة. اختلاف التجارب لم يمنع وجود خيط مشترك بينها: البحث عن الجذور من أجل إعادة صياغتها، لا من أجل تجميدها.
'سيدات الراي'.. جزء من حركة أوسع
وفي هذا السياق، تبدو ''سيدات الراي'' جزءا من حركة أوسع تعيد فيها الموسيقى المغاربية والعربية والإفريقية اكتشاف ذاكرتها من الداخل. تونس تنصت إلى أسئلتها الاجتماعية، وإفريقيا تتحول إلى مصدر للإيقاع والخيال والجماليات، وشرق المتوسط يعيد تركيب ذاكرته الموسيقية داخل أصوات جديدة، بينما تستعيد الجزائر نساءها اللواتي كنّ في قلب الحكاية منذ بدايتها. وكأن أيام قرطاج الموسيقية تحولت، من خلال تنوع عروضها، إلى مساحة تلتقي فيها تجارب مختلفة حول سؤال واحد: كيف يمكن للموسيقى أن تحافظ على ذاكرتها من دون أن تفقد قدرتها على التجدد؟
ولعل قوة ''سيدات الراي'' تكمن تحديدا في هذا التوازن بين الوفاء للموروث وفتح أبوابه على الحاضر. فالتراث، حين يتحول إلى مجرد إعادة إنتاج، يمكن أن يفقد قدرته على التأثير، أما حين يُعاد اكتشافه وإعادة قراءته فإنه يستعيد حيويته ويصبح قادراً على مخاطبة أجيال لم تعش زمنه الأول. وهذا ما فعله العرض حين أخذ أغنيات ارتبطت بذاكرة أجيال، ووضعها داخل بناء فني جديد، يسمح لها بأن تُسمع مرة أخرى لا بوصفها وثائق من الماضي، وإنما بوصفها أعمالاً ما تزال قادرة على ملامسة الحاضر.
في النهاية، لم تستعد ''سيدات الراي'' أغنيات نسائية منسية فحسب، وإنما أعادت فتح نافذة على تاريخ كامل لفن ولد من الحياة اليومية، وحمل معه أصوات الناس وتحولاتهم وأحلامهم وانكساراتهم. وبين الغرب الجزائري ومسرح قرطاج، قطعت تلك الأغنيات مسافة زمنية وجغرافية طويلة، لكنها أثبتت أن الذاكرة الموسيقية لا تموت حين تتغير أشكالها، وأن بعض الأصوات تستطيع، بعد عقود، أن تعود إلى الخشبة لتكتشف جمهورا جديدا وتصغي من جديد إلى أسئلة لم تتغير كثيراً. وفي ذلك تحديداً تكمن قيمة ''سيدات الراي'': أن تستعيد المرأة مكانها في تاريخ الراي، وأن تستعيد الأغنية القديمة حقها في أن تكون حاضرة، لا كذكرى فقط، وإنما كصوت لا يزال قادرا على الكلام.
الواثق بالله شاكير