languageFrançais

رقمنة الصحة في تونس.. كيف انعكست المشاريع على خدمات المواطن؟

مشاريع تتوسع ونتائج تعيد تشكيل الخدمات الصحية، من التصوير الطبي عن بعد إلى الملف الطبي المشترك..

تشهد المنظومة الصحية في تونس توسعاً متدرجاً في مشاريع الرقمنة، شمل التصوير الطبي والتطبيب عن بعد، والتلقيح، والملف الطبي الإلكتروني، والمعرّف الصحي الوطني، والمواعيد الرقمية، ورقمنة مسار الدواء، إلى جانب تطوير البنية التحتية الرقمية للمؤسسات الصحية.

وتنتقل هذه المشاريع تدريجياً من مرحلة التجارب المحدودة إلى التعميم، فيما أصبح تقييمها مرتبطاً بمدى تأثيرها المباشر على الخدمات الصحية المقدمة للمواطن، خاصة من حيث تقليص آجال الانتظار، وتحسين سرعة التشخيص، وتسهيل الوصول إلى الاختصاصيين، وتبادل المعطيات الطبية بين المؤسسات.

120 ألف فحص تصوير طبي عن بعد

يعد مشروع المستشفى الرقمي من أبرز مشاريع الرقمنة الصحية التي سجلت نتائج قابلة للقياس.

وحسب المعطيات المعلنة من وزارة الصحة، تم خلال سنة إنجاز نحو 120 ألف فحص تصوير طبي عن بعد عبر 26 مستشفى، إلى جانب مئات الاستشارات الطبية عن بعد في عدة اختصاصات وبمشاركة مؤسسات صحية من عدد من الولايات.

ويتيح النظام إرسال صور الأشعة والتصوير الطبي من المؤسسات الصحية التي لا يتوفر فيها اختصاصي أشعة بصفة دائمة إلى أطباء اختصاص عن بعد، بما يسمح بتسريع قراءة الفحوص واتخاذ القرار الطبي.

كما توسعت التجربة خلال 2026 لتشمل مؤسسات جهوية جديدة، من بينها المستشفى الجهوي بسبيطلة، الذي دخل فيه جهاز السكانار حيز الاستغلال في جوان 2026 مع اعتماد تقنية التصوير الطبي عن بعد.

وتتمثل إحدى النتائج المباشرة لهذه الخدمة في الحد من ارتباط التشخيص بوجود الاختصاصي داخل المؤسسة نفسها، بما يساهم في تحسين النفاذ إلى خدمات الاختصاص في الجهات.

«نجدة» وتطوير التكفل بالجلطات الدماغية

تشمل الرقمنة الصحية أيضاً الخدمات الاستعجالية، ومن أبرز المشاريع في هذا المجال منصة «نجدة – AVC» الخاصة بمرضى الجلطات الدماغية.

وتهدف المنصة إلى ربط المؤسسات الصحية بالفرق المختصة وتحسين سرعة اتخاذ القرار الطبي في حالات السكتة الدماغية، من خلال تبادل المعطيات والتقييم الطبي عن بعد.

وسجلت التجربة أول عملية للتكفل بمريض مصاب بجلطة دماغية في المستشفى الجامعي الحبيب بورقيبة بمدنين بالاعتماد على الخبرة الطبية عن بعد وإعطاء العلاج المذيب للجلطة.

وتكمن أهمية المشروع بالنسبة إلى المواطن في تقليص تأثير العامل الجغرافي على التكفل بالحالات الاستعجالية، خاصة في الجهات التي لا تتوفر فيها جميع الاختصاصات على عين المكان.

13 مليون جرعة عبر منظومة التلقيح الرقمية

تمثل منصة eVAX إحدى أكبر التجارب التونسية في مجال الخدمات الصحية الرقمية الموجهة مباشرة إلى المواطنين. ووفق المعطيات المعلنة في أكتوبر 2026، تم ربط نحو 2000 مركز بالمنصة ومتابعة حوالي 13 مليون جرعة تلقيح.

وقد مكّنت المنصة من تنظيم التسجيل والمواعيد ومتابعة الجرعات وتبادل المعطيات المرتبطة بعملية التلقيح، ما جعلها نموذجاً لتطبيق الرقمنة على خدمة صحية وطنية واسعة النطاق.

وتبرز أهمية التجربة في كونها نقلت جزءاً كبيراً من العلاقة بين المواطن وخدمة التلقيح إلى فضاء رقمي، مع اعتماد قاعدة بيانات مركزية تسمح بمتابعة عمليات التلقيح على نطاق وطني.

المعرّف الصحي الوطني والملف الطبي المشترك

يمثل المعرّف الصحي الوطني والملف الطبي المشترك المرحلة الأكثر ارتباطاً بإعادة تنظيم المعلومات الصحية للمواطن.

ويهدف المعرّف الصحي إلى منح كل مواطن هوية صحية موحدة داخل المنظومة، بما يسهل التعرف على المريض وتفادي تكرار الملفات والأخطاء المرتبطة بالبيانات الشخصية.

وفي جويلية 2026، تجاوز عدد المسجلين في المرحلة الأولى من تجربة المعرّف الصحي الوطني 9 آلاف شخص، قبل التوجه نحو توسيع نطاق التجربة.

أما الملف الطبي الإلكتروني، فيهدف إلى تجميع المعلومات الطبية المتعلقة بالمريض وإتاحتها للمهنيين الصحيين المخولين، بما يسمح بتحسين استمرارية العلاج وتسهيل تبادل المعلومات بين المؤسسات.

ويكتسي هذا المشروع أهمية خاصة بالنسبة إلى المرضى الذين يتلقون العلاج في أكثر من مؤسسة، إذ يمكن أن يقلل من الحاجة إلى إعادة تقديم التاريخ الطبي وإعادة بعض الفحوص عند الانتقال بين المؤسسات، متى كانت الأنظمة مترابطة وقابلة لتبادل المعطيات.

«صحتنا» والخدمات الرقمية للمواطن

وتعمل وزارة الصحة على تطوير البوابة الوطنية الرقمية لصحة المواطن «صحتنا»، التي تم الإعلان عنها في جويلية 2026.

وتتمثل الغاية من البوابة في توفير فضاء رقمي يتيح للمواطن الوصول إلى عدد من الخدمات الصحية، بما في ذلك متابعة المواعيد وإدارة بعض المعطيات الصحية الخاصة به وبأبنائه.

ويمثل هذا التوجه انتقالاً من رقمنة العمليات الداخلية للمؤسسات إلى تطوير خدمات رقمية موجهة مباشرة إلى المواطن. غير أن تقييم هذه البوابة سيبقى مرتبطاً بمستوى استخدامها الفعلي وعدد الخدمات التي سيتم ربطها بها ومدى تكاملها مع بقية أنظمة الصحة الرقمية.

رقمنة المواعيد والتسجيل

تشمل مشاريع الرقمنة أيضاً مسار استقبال المرضى وتنظيم المواعيد. وقد تم تطوير خدمات إلكترونية للمواعيد، إلى جانب اعتماد حلول رقمية للتسجيل داخل بعض المؤسسات الصحية.

وفي المستشفى الجهوي بسليانة، بدأ في جويلية 2026 اعتماد آلة للتسجيل الرقمي في العيادات الخارجية، في إطار تحسين تنظيم استقبال المرضى. وتستهدف هذه الحلول تقليص الإجراءات الورقية وتحسين إدارة المواعيد وتنظيم تدفق المرضى داخل المؤسسات الصحية.

لكن أثرها على المواطن يحتاج إلى قياس من خلال مؤشرات واضحة، أبرزها معدل الانتظار قبل وبعد اعتماد النظام الرقمي، وعدد المواعيد المنجزة إلكترونياً، ونسبة عدم الحضور إلى المواعيد.

رقمنة مسار الدواء

تشمل الاستراتيجية الوطنية أيضاً رقمنة عدد من العمليات المرتبطة بالدواء، من خلال تطوير نظم معلومات الصيدلية المركزية والصيدليات بالمؤسسات الصحية، إلى جانب أنظمة التوزيع اليومي والفردي للأدوية.

ويهدف هذا المسار إلى تحسين التتبع وإدارة المخزون ومتابعة عمليات التوزيع، بما يمكن أن ينعكس على توفر الأدوية وتقليص الأخطاء وتحسين التصرف في الموارد.

وتبقى النتائج الفعلية لهذا الجانب بحاجة إلى مؤشرات أكثر تفصيلاً حول تطور المخزون، ونسب النقص، وأخطاء التوزيع، وآجال توفير الأدوية.

البنية التحتية أساس التحول الرقمي

ولا يمكن فصل نتائج الرقمنة عن تطور البنية التحتية للاتصالات داخل المؤسسات الصحية. وتشمل المشاريع ربط المؤسسات الصحية بالشبكات ذات التدفق العالي، وتطوير أنظمة تخزين وأرشفة المعطيات الطبية، وتأمين عمليات تبادل البيانات.

وتشير المعطيات المتاحة إلى ربط عدد كبير من المؤسسات الصحية بشبكات الاتصالات، في إطار برنامج يستهدف توسيع الربط وتحسين جودة الخدمات الرقمية.

وتعتبر هذه البنية شرطاً أساسياً لتوسيع التصوير الطبي عن بعد، والتطبيب عن بعد، والملف الطبي المشترك وغيرها من الخدمات التي تعتمد على نقل البيانات بشكل سريع وآمن.

ومع توسع المشاريع الرقمية، ينتقل التحدي تدريجياً من إطلاق الأنظمة إلى ضمان تكاملها. فوجود منصة للمواعيد وأخرى للملف الطبي وثالثة للتصوير الطبي لا يحقق الفائدة الكاملة إذا كانت هذه الأنظمة تعمل بشكل منفصل ولا تتبادل المعطيات.

ولهذا تكتسب مشاريع المعرّف الصحي الوطني والملف الطبي المشترك أهمية خاصة، باعتبارها محاولة لبناء رابط موحد بين مختلف مكونات المنظومة الصحية.

ويطرح هذا المسار في المقابل مسائل تتعلق بحماية المعطيات الصحية، والأمن السيبراني، وتحديد صلاحيات النفاذ إلى المعلومات الطبية، وضمان احترام القواعد القانونية المتعلقة بالمعطيات الشخصية.

ماذا تغير بالنسبة إلى المواطن؟

تظهر النتائج المعلنة حتى الآن في عدة مستويات. ففي مجال التصوير الطبي، أصبح بإمكان مؤسسات جهوية الاستفادة من خبرات اختصاصيين عن بعد.

وفي الحالات الاستعجالية، أتاحت خدمات التطبيب عن بعد دعماً للاطقم الطبية في الجهات.

وفي مجال التلقيح، مكّنت eVAX من إدارة خدمة صحية استفاد منها ملايين المواطنين.

أما المعرّف الصحي والملف الطبي المشترك، فيستهدفان تغيير طريقة إدارة المعلومات الطبية للمريض على المدى المتوسط.

وتبقى خدمات المواعيد والتسجيل الرقمي ورقمنة الدواء مرتبطة بتحسين العلاقة اليومية بين المواطن والمؤسسة الصحية.

ورغم تعدد المشاريع، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال إلى قياس أثر الرقمنة بمؤشرات واضحة ومعلنة.

ومن بين أهم المؤشرات التي يمكن اعتمادها، معدل انتظار المرضى، آجال الحصول على التشخيص، عدد التنقلات التي تم تجنبها بفضل التطبيب عن بعد، عدد الفحوص التي تمت قراءتها عن بعد، عدد المواطنين الذين لديهم ملف طبي رقمي، ونسبة المؤسسات المرتبطة فعلياً بالمنظومات الوطنية.

كما تبرز الحاجة إلى تقييم تجربة المواطن نفسه من خلال مؤشرات الرضا وسهولة استعمال الخدمات الرقمية ونسبة الاستفادة منها في مختلف الجهات.

فالرقمنة الصحية لا تحقق هدفها بمجرد تحويل الوثيقة الورقية إلى ملف إلكتروني أو إطلاق منصة جديدة، وإنما عندما تؤدي إلى خدمة صحية أسرع، وأكثر تنظيماً، وأكثر استمرارية، وأقرب إلى المواطن.

وتونس تمتلك اليوم عدداً من التجارب التي تجاوزت مرحلة الاختبار، لكن نجاح المرحلة المقبلة سيقاس بقدرة هذه المشاريع على العمل ضمن منظومة واحدة، وبمدى انعكاسها الفعلي على جودة الخدمات الصحية في مختلف مناطق البلاد.

صلاح الدين كريمي

share