دحمان: الكنام مشروع لم يكتمل.. وحلول عاجلة لإنقاذ الصناديق الاجتماعية
تحدّث الخبير في الضمان الاجتماعي، الهادي دحمان، خلال استضافته في برنامج "ميدي إيكو"، اليوم الخميس 15 جانفي 2026، عن وضعية الصناديق الاجتماعية، لا سيما الصندوق الوطني للتأمين على المرض (الكنام)، والأزمة المستمرة مع مُسدي الخدمات الصحية، في ضوء اللقاء الأخير بين رئيس الجمهورية ووزير الشؤون الاجتماعية. كما قدّم قراءة حول الحلول العاجلة المقترحة لضمان استمرارية التغطية الصحية، وناقش ملامح التصور الجديد لإصلاح "الكنام".
واستهل الهادي دحمان مداخلته بتثمين قرار استئناف عمل الصيدليات الخاصّة بصيغة الطرف الدافع، معتبرا أنّ توقّف هذا الاتّفاق ألحق ضررا كبيرا بالمضمونين الاجتماعيين وبالصيادلة على حدّ سواء، فضلا عن تأثّر جميع الأطراف المعنية بالقطاع الصحي جراء تعليق الاتفاقية.
وأرجع الهادي دحمان الخِلاف القائم، الذي أدّى إلى تعليق الاتّفاقية، إلى تراكمات وعدم اتّخاذ القرارات المناسبة في الوقت الإبان، مشيرا إلى أنّه منذ أكتوبر الماضي "ونحن نجرّ مسألة تعليق الاتّفاقية"، وهو خيار خطير يضر بصحة المضمون الاجتماعي والمجموعة الوطنية.
وأشار دحمان إلى أنّ "الطرف الدافع" يُمثّل حوالي 10% من المضمونين الاجتماعيين، أيّ نحو 300 ألف شخص، يَدين لهم ''الكنام'' على المرض بـ200 مليون دينار.
وأوضح أنّ انتهاء الاتّفاقية جعل الأزمة تتجاوز منظومة ''الطرف الدافع''، لتَشمل جميع مستحقات المضمونين الاجتماعيين في العلاج، نظرا لتعليق الاتّفاقية برمتها. وأضاف أنّه بقرار أحادي وقسري تمّ التحويل من ''الطرف الدافع'' إلى نظام استرجاع المصاريف، الذي من المفترض أن تكون مدّة الانتظار فيه بين 21 يوما وشهر كحدّ أقصى، لكنّها تجاوزت ذلك لتصل إلى ستّة أشهر، فيما بلغت مدّة الانتظار بالنسبة للصيادلة 190 يوما.
وعلّق الهادي دحمان على البيان الصادر عن النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة اليوم الخميس، معتبرا أنّه رسالة طمأنة لأهل المهنة، تُؤكّد على أنّ النقابة لم تمنح "صكًّا على بياض" لوزارة الشؤون الاجتماعية و"الكنام" بشأن تسديد المستحقات القديمة، حسب الإمكانيات المالية المتاحة، والأهم هو الالتزام في المستقبل لضمان متابعة الصندوق للإيفاء بالتعهدات الشهرية وفق صيغة الاتفاق الموقّعة.
"الكنام''.. مشروع لم يَكتمل!
وشدّد المتحدّث على أنّ صندوق "الكنام" يُشكّل ضلعا مهما في منظومة الضمان الاجتماعي، إلاّ أنّه مشروع أُنشئ منذ عام 2004 ولم يكتمل بعد. وأوضح الهادي دحمان أنّ الجمع بين القطاعين العام والخاص "مسألة ثقيلة"، خاصة في ظلّ عدم إحداث آليات لاستخلاص مستحقات الصندوق.
وأشار دحمان إلى أنّ منظومة الجرايات -بدورها- تُعاني منذ عام 1985 بسبب غياب الإصلاحات، ممّا أدّى إلى عجز هيكلي مالي. وأضاف أنّ الإدارات العامة للصناديق الاجتماعية تضطر، للالتزام بدفع مستحقات الجرايات التي تتجاوز ألف مليار شهريا، إلى الاستدانة من صندوق الكنام لتسديدها، نظرا لطبيعتها المعاشية.
وأوضح أنّ هذا الأمر تسبّب في تراكمات بمليارات الدينار لدى صندوقي الضمان الاجتماعي والحيطة الاجتماعية، خصوصا أنّ "الكنام" لا يمتلك آليات خاصة لاستخلاص مستحقاته من المضمونين الاجتماعيين والمؤجّرين، ما أدّى إلى تراكم الديون في ظل غياب المحاسبة المباشرة.
وأعرب الهادي دحمان عن استغرابه الشديد من غياب رئيس المدير العام لصندوقيْ الضمان الاجتماعي والحيطة الاجتماعية، مشيرا إلى أنّ هذا الفراغ التسييري تسبّب في تراكم 400 مليار دينار أموال "مُعلقة"، نتيجة عدم تعيين رئيس مدير عام منذ أكثر من عام وأربعة أشهر، علما أنّه الوحيد المخوّل بتوقيع "بطاقات الإلزام والجبر".
الحلول الممكنة..
التشخيص واضح وفق تقدير ضيف "ميدي إيكو"، "لذلك ينبغي النظر فورا في الحلول الممكنة على المستوى الاستراتيجي.
وأوضح الهادي دحمان أنّ أيّ إصلاح يجب أن يضمن الديمومة والاستقرار والتوازن المالي لجيل مهني (30 سنة). وأضاف أنّ المطلوب اليوم هو إصلاح جوهري يحمي الحقوق القديمة المكتسبة للمضمونين الاجتماعيين.
وأشار إلى أنّ قانون المالية لسنة 2026 تضمن حزمة من الإجراءات لإصلاح الصناديق الاجتماعية، بما يشمل مراجعة الأنظمة لضمان العدالة الاجتماعية وتحديد أحكام التصرف، وهيكلة الصناديق لتلبية الاحتياجات الجديدة لسوق الشغل والتنظيم الإداري.
وشدّد دحمان على ضرورة الفصل بين خدمات الضمان الاجتماعي، المتمثّلة في الجرايات والتأمين الصحي، لضمان وضوح الصلاحيات وكفاءة الأداء.