languageFrançais

طبرقة تعلن عودة الجاز من مسرح البحر.. رودريغيز يوقّع افتتاحا استثنائيا

مساء الجمعة 3 جويلية 2026 بدا مسرح البحر بطبرقة وكأنه يستعيد ذاكرته القديمة. البحر أمام الركح، نسيم المدينة يتسلل بين المقاعد، والجمهور يتقاطر مبكرا إلى الموعد الذي انتظرته المدينة طويلا: الافتتاح الرسمي للدورة العشرين من مهرجان الجاز بطبرقة.

وافتتح العروض الرئيسية الموسيقي الكوبي ألفريدو رودريغيز، وهو أحد أبرز عازفي البيانو في الجاز المعاصر. فمنذ اللحظات الأولى، بدا البيانو امتدادا لجسده، لا مجرد آلة يعزف عليها إذ تحركت أصابعه بخفة وثقة، متنقلة بين الرقة والانفجار الإيقاعي، فيما بدا الحوار بينه وبين البيانو أقرب إلى لغة خاصة تتشكل لحظة بلحظة. كان الارتجال حاضرًا بقوة، وكذلك الإنصات المتبادل بينه وبين العازفين اللذين رافقاه على الركح.

ولم يكن جمهور مهرجان الجاز بعيدا عن هذه التجربة، فقد اعتمد رودريغيز على التفاعل المباشر مع الحاضرين، يشجعهم على التصفيق ومواكبة الإيقاعات، ويبادلهم الابتسامات والإشارات. شيئًا فشيئًا، تحولت الأمسية إلى حوار موسيقي حي، تجاوز العلاقة التقليدية بين الفنان والمتلقي، ليصبح الجمهور عنصرًا فاعلًا في صناعة الإيقاع والطاقة التي ميزت العرض.

ومن خلال مشروعه Coral Way، استحضر رودريغيز مدينة ميامي باعتبارها نقطة التقاء للثقافات فقدم موسيقى تعبر بحرية بين الجاز والإيقاعات الكوبية واللاتينية، من السالسا إلى البوليرو والباتشاتا، في صياغة معاصرة تؤكد أن الجاز يظل فنًا مفتوحًا على التحولات واللقاءات الإنسانية.

وبحضور وزيرة الشؤون الثقافية، السيدة أمينة الصرارفي، إلى جانب ضيوف المهرجان وأهالي طبرقة، حمل العرض رسالة واضحة: أن الموسيقى قادرة على جمع الثقافات تحت سقف واحد، وأن طبرقة ما تزال قادرة على أن تكون محطة دولية لعشاق الجاز.

وفي الوقت الذي كان فيه مسرح البحر يحتضن العرض الرئيسي، كانت شوارع طبرقة تواصل نبضها الخاص مع عروض «ستريت جاز». هناك، في قلب المدينة، استقبلت الساحات الفرقة البرتغالية Mão Cabeça، أحد أبرز الأسماء الصاعدة في الموسيقى البديلة بالبرتغال. إذ قدمت الفرقة عرضا اتسم بالعفوية والقرب من الجمهور الذي تفاعل بحماس مع الحفل للتتحوّل الساحة من فضاء للفرجة إلى مساحة مفتوحة للتفاعل، اندمج فيها الحاضرون مع الإيقاعات والتصفيق، في مشهد يعكس روح هذا البرنامج الذي يقوم على كسر المسافات بين الفنان والمدينة.

وتستند تجربة Mão Cabeça إلى الكلمة الشعرية بوصفها محورا للإبداع. فهي تمزج بين موسيقى بديلة وإيقاعات معاصرة ونصوص تستكشف تناقضات الإنسان وأسئلته اليومية. هذه الرؤية حملتها الفرقة إلى طبرقة، حيث وجدت جمهورًا متفاعلًا احتضن التجربة منذ لحظاتها الأولى.

ورغم اختلاف الفضاءين، مسرح البحر من جهة، وفضاء المدينة المفتوحة من جهة أخرى، فقد التقى العرضان عند قيمة أساسية هي التفاعل مع الجمهور. ففي الوقت الذي بنى فيه ألفريدو رودريغيز عرضه على الحوار الحي مع الحاضرين وإشراكهم في صناعة الإيقاع، وجدت فرقة Mão Cabeça في قربها من الجمهور عنصرًا أساسيًا في نجاح عرضها. حتى إن زمن العرضين امتد استجابةً لحماس الجمهور وإلحاحه على مواصلة الموسيقى.
 

ولا يكتفي مهرجان الجاز بطبرقة في دورته العشرين، باقتراح أسماء عالمية وتجارب موسيقية متنوعة، بل يبني علاقة حية بين الفنانين والجمهور. تصبح الموسيقى لغة مشتركة، ويغدو كل فضاء في المدينة، من مسرح البحر إلى شوارع طبرقة، جزءًا من الحكاية نفسها. لتكون ليلة الافتتاح الرّسمي أكثر من مجرد بداية برنامج فني بل كانت إعلانا عن رغبة جماعية في استعادة بريق مهرجان عريق، وعن إيمان بأن طبرقة ما تزال قادرة على أن تكون مدينة تسمع العالم من خلال الجاز، وتروي للعالم حكايتها الخاصة مع البحر والموسيقى والناس. فالأمر لم يكن مجرد سهرة موسيقية، بل لحظة عودة إلى حلم بدأ منذ سنة 1973، ثم تعثر بفعل صعوبات مختلفة.

 واليوم، يعود المهرجان في حلة جديدة وآمال متجددة، ساعيا إلى استعادة مكانته في فسيفساء المهرجانات التونسية، وإلى إعادة الجاز إلى المدينة التي طالما ارتبط اسمها بهذا اللون الموسيقي.

الواثق بالله شاكير