languageFrançais

إذا الرضيع سُئل بأيّ ذنب قُتل ؟

''علّموهم الإنسانيّة قبل أن تعلموهم الطبّ''... كلمات بسيطة قالها أب فجعه الموت في رضيعه الذي لم يتجاوز عمره السويعات وجده جثّة هامدة في أروقة المستشفى داخل علبة كرتونيّة !

مأساة الأب المكلوم لم تنته عند هذا الحدّ بل وجد نفسه مطالبا بدفع 500 دينار لتسلّم رضيعه ليواريه التراب، فإكرام الميّت دفنه حتى وإن كانت أسباب وفاته مجهولة.

هي الفاجعة التي عاشت على وقعها تونس نهاية الأسبوع بعد وفاة 12 رضيعا في نفس المستشفى ونفس القسم في ظروف غامضة وبطريقة غريبة، دون ذنب سوى أنّهم ولدوا في دولة تستهتر بأرواح أبنائها.

وبمرور الساعات المتثاقلة تتضارب الروايات لتجميل واقع مشوّه وللتخلّص من حمل لو شهدته أيّ حكومة في العالم لاستقالت برمّتها، لا أن يتم الإكتفاء بوزير الصحّة المُعيّن منذ 3 أشهر والذي سارع بذرّ الرماد على العيون من خلال تقديم استقالته، لاعتقاده أنّه بذلك سيخفف من وطأة الفاجعة على عائلات فقدت أبناءها.

وقد يكون خيّر "الهروب" حتى لا يجعلوا منه كبش فداء لمحو فشل منظومة كاملة تعاني الإهمال وتفتقر لأبسط مقومات العمل الصحي اللائق لعقود.

والأدهى من ذلك تصريح رئيس الحكومة الذي اكتفى بإعلان تضامنه مع عائلات الرضّع كأنّ تضامنه سيوقف نزيف آلامهم وسينسيهم الإهانة التي تعرضوا لها بعد تجاهل إعلامهم بوفاة أطفالهم وتركهم لمشيئة الصدف. 

ليأتي الأمرّ على لسان المديرة العامة للصحة نبيهة البورصالي التي بررت تسليم رضيع في علبة كرتونية "كرذونة" على أنّه أمر طبيعي وعادة متداولة تم التوصل إليها بعد دراسات بسيكولوجية عديدة! وكان قرار الوزارة التاريخي في كل هذا، الوعد بالتخلي عن العلب الكرتونية مستقبلا.. وكأن لسان حالها يقول ''الولدان الذين سيموتون مستقبلا سينعمون بتابوت على الأقل''.

"فاجعة مستشفى الرابطة" كشفت واقع الصحة العمومية الذي يحمل في جرابه "كوارث" لا تحصى ولا تعدّ مما يعكس الوضع المزري الذي تعيشه بلادنا، فبعد "البنج الفاسد" واللوالب القلبية منتهية الصلوحية وأزمة الأدوية المفقودة وسرقة الدمّ والمتاجرة بالأعضاء، انتقلت العدوى إلى قسم الأطفال والرضع لتكون المأساة أشدّ وقعا، في المقابل يكتفي المسؤولون بتعليق ما يحدث على شماعة ''القضاء والقدر'' وتقديم وعود واهية تتبخّر فور انطفاء لهيب الأزمة.


ويبقى السؤال المطروح: من يتحمّل مسؤولية وفاة "12 عصفور جنّة" في مركز التوليد بالعاصمة؟

هل يقع اللوم على مدير المستشفى أم الإطار الطبيّ وشبه الطبيّ أم الـ11 وزيرا الذي تعاقبوا على وزارة الصحة منذ الثورة أم كلّ المنظومة التي أصبحت "عليلة" بل في موت سريري وتحتاج بدورها إلى جرعة من الدّواء؟

إلى متى يعمل الأطباء تحت الأنقاض وملجمي الأفواه حتى لا ينبسوا ببنت شفة؟ وفي حال تجرؤوا على انتقاد الوضع يكون مصيرهم التجميد أو الإقتطاع من الأجر أو "قرصة" أمام مسؤول أمام الجميع..

هل ستُنسى هذه القضيّة كغيرها من القضايا ويلفّها النسيان بمجرّد القول إنّ تحقيقا يُجرى ولجنة تجتمع وقرارات ستصدر... هل سيستغلون قِصر ذاكرة التونسيّ وانشغاله بجمع قوت يومه ليضيع حقّ الرضّع ومن ورائهم حقّ عائلاتهم؟

من الواجب الإنطلاق في معالجة القطاع وإخلائه من الدخلاء المتمعشين وعصابات الأدوية ومافيا الصحة التي تبيع الموت في شكل أدوية وقنينات والقطع مع عقلية "رزق البيليك" التي تغزو مستشفياتنا العمومية. 

لقد آن الآوان لإنقاذ منظومة ترزح تحت وطأة لامبالاة مسؤوليها واستهتار موظفيها ونقص الإمكانيات.

إنّ ما حدث في مستشفى الرابطة يستدعي هبّة جماعية لإصلاح قطاع الصحّة ومن ورائه كلّ القطاعات التي نخرها الفساد والفوضى والتلاعب الذي وصل حدّ الإستهانة بأرواح  الكبار والصغار وحتى الرضّع..

 

*أميرة العلبوشي*