التعليم الخاص في تونس.. خيار أم ضرورة؟
لم يعد التعليم الخاص في تونس ظاهرة محدودة تهم شريحة اجتماعية بعينها، بل أصبح جزءًا واضحًا من المشهد التربوي، من الابتدائي إلى التعليم الإعدادي والثانوي. غير أنّ أرقام وزارة التربية تكشف في المقابل مفارقة لافتة... عدد التلاميذ والمؤسّسات الخاصّة يتراجع خلال السنوات الأخيرة، رغم استمرار حضور القطاع كخيار تلجأ إليه آلاف العائلات.
فهل أصبح التعليم الخاص ضرورة تفرضها ظروف المدرسة العمومية، أم أنه ما يزال خياراً مرتبطاً بقدرة الأسرة على تحمّل كلفته؟
أكثر من 200 ألف تلميذ في التعليم الخاص
وفق معطيات وزارة التربية للسنة الدراسية 2025/2026، يدرس 111 ألفاً و710 تلاميذ في المدارس الابتدائية الخاصة، مقابل 136 ألفاً و422 تلميذاً في السنة الدراسية 2021/2022.
وفي المرحلة الإعدادية والتعليم الثانوي، يبلغ عدد التلاميذ في المؤسسات الخاصة 94 ألفاً و373 تلميذاً خلال السنة الحالية، مقابل 126 ألفاً و23 تلميذاً قبل خمس سنوات.
وبذلك، يتجاوز عدد التلاميذ المسجلين في التعليم الخاص في المرحلتين الابتدائية والإعدادية والثانوية 206 آلاف تلميذ خلال السنة الدراسية 2025/2026.
لكن اللافت أن الاتجاه العام خلال السنوات الخمس الأخيرة ليس نحو التوسع، بل نحو التراجع.
فعدد المدارس الابتدائية الخاصة انخفض من 708 مدارس سنة 2021/2022 إلى 636 مدرسة سنة 2025/2026، في حين تراجع عدد التلاميذ من 136 ألفاً و422 إلى 111 ألفاً و710.
أما في الإعدادي والثانوي، فقد تراجع عدد المؤسسات الخاصة من 598 إلى 483 مؤسسة، وانخفض عدد التلاميذ من 126 ألفاً و23 إلى 94 ألفاً و373 تلميذاً.
وتشير هذه الأرقام إلى أن التعليم الخاص، رغم أهميته، لا يتوسع بشكل متواصل، بل شهد خلال السنوات الأخيرة تقلصاً في عدد المؤسسات والتلاميذ.
أقسام أقلّ اكتظاظاً.. فهل يعني ذلك تعليماً أفضل؟
من أبرز الفوارق التي تكشفها أرقام الوزارة حجم الأقسام ومعدل عدد التلاميذ لكل مدرس.
ففي التعليم الابتدائي الخاص، بلغ متوسط كثافة الفصل 18.1 تلميذاً خلال السنة الدراسية 2025/2026، مقابل 18.7 قبل خمس سنوات.
كما بلغ معدل عدد التلاميذ لكل مدرس 12 تلميذاً، مقابل 10.5 سنة 2021/2022.
وفي الإعدادي والتعليم الثانوي، يبلغ متوسط كثافة الفصل في القطاع الخاص 20.1 تلميذاً، فيما يبلغ معدل عدد التلاميذ لكل مدرس 7 تلاميذ.
هذه الأرقام قد تفسر، جزئياً، أحد أسباب اختيار بعض العائلات للتعليم الخاص، خاصة بالنسبة للأولياء الذين يبحثون عن أقسام أقل اكتظاظاً أو عن متابعة أكثر قرباً للتلميذ.
لكن هذه المؤشرات، في حد ذاتها، لا تكفي للقول إن التعليم الخاص أفضل من العمومي، إذ إن جودة التعليم ترتبط أيضاً بمستوى المدرسين، البرامج، التأطير، المتابعة، التجهيزات والنتائج التعليمية.
الزهروني: اللجوء إلى الخاص مرتبط بتراجع الثقة في العمومي
رئيس الجمعية التونسية للأولياء والتلاميذ رضا الزهروني يرى أن تنامي اللجوء إلى التعليم الخاص يرتبط أساساً بما يعتبره تراجعاً في الثقة في المدرسة العمومية وعدم الاستقرار داخل المنظومة التربوية.
وقال في تصريح لموزاييك ، إن الولي الذي يملك الإمكانيات يبحث عن مؤسسة توفر لابنه، وفق تقديره، محيطاً أكثر أماناً وظروف تدريس أفضل ومتابعة أكبر.
ويرى الزهروني أن الإشكال لا يتعلق بالتعليم الخاص في حد ذاته، وإنما بالسؤال الذي يطرحه هذا الواقع: ماذا عن العائلات التي لا تملك الإمكانيات للانتقال إلى التعليم الخاص؟
ويعتبر أنّ وجود تفاوت بين من يستطيع دفع تكاليف التعليم الخاص ومن لا يستطيع، يمكن أن يؤدي إلى تعميق الفوارق بين التلاميذ.
كما يشير إلى أن التعليم الخاص أصبح يستحوذ على نسبة مهمة من الطلب على التعليم، في وقت تواجه فيه المدرسة العمومية تحديات مرتبطة بالموارد البشرية والبنية الأساسية.
وبالنسبة إليه، فإن إصلاح المنظومة لا ينبغي أن يقوم على مواجهة التعليم الخاص بالتعليم العمومي، وإنما على توفير عرض تربوي جيد ومتعدد الخيارات، حتى يكون توجه العائلة نحو التعليم الخاص اختياراً وليس اضطراراً.
الهيشري: التعليم الخاص أصبح اختياراً واعياً
من جهته، يرى محمد بشير الهيشري، مستشار في الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي وعضو الجمعية التونسية للإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي والمهني، أن التعليم الخاص لم يعد حكراً على فئة اجتماعية محددة.
ويشير إلى أن موظفين وإطارات متوسطة أصبحوا بدورهم يتوجهون إلى المؤسسات الخاصة، معتبراً أن هذا التوجه مرتبط بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي شهدها المجتمع التونسي.
ويقول إن بعض الأولياء يتخذون قرار تسجيل أبنائهم في مؤسسة خاصة بشكل واع ومدروس، ليس فقط بسبب ما يعتبرونه جودة التعليم، وإنما أيضاً بسبب خدمات أخرى، من بينها المرافقة اليومية وامتداد فترة التكفل بالتلميذ، وهو ما يسمح لبعض الأولياء بمواصلة عملهم في ظروف أكثر اطمئناناً، وفق تصوره.
لكن الهيشري يحذر في الوقت نفسه من المقارنة المباشرة بين التعليم العمومي والخاص، مشيراً إلى أن المؤسسات العمومية ما تزال تحقق نتائج مهمة في الامتحانات الوطنية، وأن أعلى المعدلات في امتحان البكالوريا يمكن أن نجدها أيضاً لدى تلاميذ قادمين من المؤسسات العمومية.
هل يوفر التعليم الخاص كل ما يحتاجه التلميذ؟
يرى الهيشري أنّ المؤسسات التربوية الخاصة ما تزال أمامها نقاط تحتاج إلى تطوير، خاصة في ما يتعلق ببعض خدمات التأطير والمرافقة.
ويطرح في هذا السياق تساؤلات حول مدى توفر الإطار التفقدي البيداغوجي، ومستشاري الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي داخل المؤسسات الخاصة، ومدى قيامهم بنفس أدوارهم الموجودة في المؤسسات العمومية.
ووفق تصوره، فإن توفير هذه الخدمات يتطلب إمكانيات مادية ولوجستية قد لا تتوفر في جميع المؤسسات الخاصة.
وهنا يظهر جانب آخر من النقاش: هل تدفع العائلة مقابل تعليم أفضل فعلاً، أم مقابل حزمة أوسع من الخدمات والظروف المحيطة بالدراسة؟
التعليم الجامعي.. خيار آخر بحثاً عن سوق الشغل
ولا يقتصر النقاش حول التعليم الخاص على المدرسة.
فالهيشري يشير أيضاً إلى أن بعض العائلات تتجه إلى الجامعات الخاصة باعتبارها استثماراً في المسار المهني لأبنائها، خاصة في مجالات مثل الصحة والتكنولوجيا.
ويعتبر أن بعض المؤسسات الجامعية الخاصة ترتبط بشركات ومؤسسات اقتصادية، ويمكن أن توفر للطلبة فرصاً للتدريب والاندماج في سوق الشغل.
لكنّه يشدد في المقابل على ضرورة التثبت من مدى مطابقة البرامج الجامعية لمتطلبات التأهيل والاعتماد، ومن توفر الأساتذة الأكفاء والظروف اللازمة للتكوين.
التعليم الخاص.. ضرورة لمن؟
الأرقام والتصريحات تضعنا أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد الاختيار بين التعليم العمومي والتعليم الخاص.
فمن جهة، يوجد أكثر من 206 آلاف تلميذ في التعليم الخاص في المرحلتين الابتدائية والإعدادية والثانوية، وتتميز مؤسساته، وفق أرقام الوزارة، بكثافة أقسام أقل نسبياً ومعدلات تلاميذ لكل مدرس محدودة.
ومن جهة أخرى، فإن عدد المؤسسات والتلاميذ في القطاع الخاص شهد تراجعاً واضحاً خلال السنوات الخمس الأخيرة، ما يعني أن القول بأن التعليم الخاص أصبح بالضرورة مسار غالبية الأسر لا تدعمه أرقام الوزارة.
وتكشف تصريحات الزهروني والهيشري عن قراءتين للجوء إلى التعليم الخاص. فبينما يربط الزهروني هذا التوجه بتراجع الثقة في المدرسة العمومية، يرى الهيشري أن جزءاً من العائلات أصبح يتجه إلى التعليم الخاص عن قناعة، بحثاً عن ظروف دراسة أفضل وخدمات ومرافقة تتناسب مع احتياجاتها.
وبالتالي، لا يبدو السؤال فقط ما إذا كان التعليم الخاص أفضل من التعليم العمومي، وإنما أيضاً لماذا تختار بعض العائلات دفع كلفة إضافية لضمان ظروف دراسية معينة لأبنائها.
فإذا كان التعليم الخاص خياراً، فإن التحدي يبقى في أن تكون المدرسة العمومية قادرة على توفير تعليم جيد وظروف مناسبة لكل التلاميذ، حتى لا يصبح اللجوء إلى التعليم الخاص مرتبطاً بالقدرة المادية للعائلة أكثر من كونه اختياراً تربوياً.
كريم وناس