'الهاربات' تفتتح ستّينية الحمامات.. هروب إلى مسرح يهزّ الوجدان
لم يكن البحر، مساء السبت 12 جويلية 2026، مجرد خلفية لمسرح الحمامات، بل بدا وكأنه ممثل سابع في العرض. أمواجه تتسلل إلى الخشبة، والنسيم يمرّ بين المقاعد، فيما كان الجمهور ينساب نحو المسرح الحجري بشغف واضح، بعضهم جاء ليكتشف "الهاربات" لأول مرة، وآخرون عادوا لمشاهدتها من جديد، لأن بعض الأعمال لا تستهلك بالمشاهدة الأولى، بل تكتشف في كل لقاء من زاوية مختلفة. هكذا اختار مهرجان الحمامات الدولي أن يفتتح دورته الستين: بالمسرح.. وبعمل تونسي يراهن على الإنسان قبل أي شيء.
ولم يكن اختيار مسرحية وفاء الطبوبي مجرد افتتاح رسمي، بل إعلان واضح بأن المسرح مازال قادرا على قيادة المشهد الثقافي. فمنذ لحظاتها الأولى، لا تقدم "الهاربات" حكاية تقليدية، بل تضع المتفرج داخل محطة انتظار، حيث خمس نساء ورجل واحد يجتمعون في فضاء بلا وجهة واضحة، ينتظرون شيئا لا يأتي، تماما كما ينتظر آلاف المهمشين فرصة تغيّر حياتهم.
لكن الانتظار هنا ليس صدفة، بل حياة كاملة. عاملة منزلية، أستاذة، محامية متربصة، عاملة مصنع، امرأة تعيش من جمع قوارير البلاستيك، ورجل أنهكته الحياة والطلاق والنفقة.. شخصيات تختلف مهنها، لكنها تتشابه في جراحها. لكل واحد منهم هروبه الخاص، غير أن الجميع يكتشف أن الهروب من الفقر أو الظلم أو الوحدة لا يعني بالضرورة الوصول إلى النجاة.
ولعلّ قوة العمل تكمن في أنه لا يغرق في المأساة، بل يحولها إلى كوميديا سوداء تجعل الجمهور يضحك قبل أن يكتشف أنه يضحك على أوجاعه هو. هنا يصبح الضحك شكلا من أشكال المقاومة، وتتحول الخشبة إلى مرآة يرى فيها المتفرج تفاصيل حياته اليومية، دون خطابات مباشرة أو شعارات ثقيلة.
وفاء الطبوبي كتبت وأخرجت عرضا يعتمد على لغة الجسد بقدر اعتماده على الكلمة. حركة الممثلين الدائرية، الركض في المكان نفسه، الإيقاع المتسارع ثم المتباطئ، كلها تفاصيل صنعت شعورا بالتيه والاختناق. أما السينوغرافيا، فاختارت البساطة الذكية؛ جدار أسود، إشارات "ممنوع"، وإضاءة خافتة تترك للظلال أن تقول ما تعجز الكلمات عن قوله.
وكان لموسيقى هاني بالحمادي دور أساسي في هذا البناء الجمالي، إذ لم تكن مجرد مرافقة للمشاهد، بل جزءا من نبض العرض، فيما جاءت اللوحات الحركية القريبة من السينما الصامتة لتمنح المسرحية بعدا بصريا شاعريا، يضاعف أثر النص.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو عنوان العمل نفسه. فالمسرحية تضم رجلا، ومع ذلك اختارت المخرجة عنوان "الهاربات"، في كسر واعٍ لقاعدة لغوية طالما غلّبت المذكر على المؤنث. اختيار يبدو بسيطا، لكنه يحمل موقفا فكريا، ويؤكد أن النساء هن مركز الحكاية، وأن أصواتهن ليست هامشا بل جوهر هذا العمل.
ولم يكن الجمهور في الحمامات متفرجا فقط، بل بدا شريكا في العرض. ضحك مع الشخصيات، صمت معها، وصفق طويلا في النهاية، وكأن المسرحية أعادت إليه إيمانه بأن الفن لا يزال قادرا على مساءلة الواقع دون أن يفقد جماله.
وبهذا الافتتاح، لم يبدأ مهرجان الحمامات الدولي دورته الستين بعرض مسرحي فحسب، بل افتتحها بسؤال كبير: ماذا لو كنا جميعا... هاربين؟ هاربين من الخوف، من الهشاشة، من الوحدة، ومن انتظار لا ينتهي. وربما لهذا السبب تحديدا، خرج كثيرون من المسرح وهم يشعرون أن "الهاربات" لم تكن تحكي عن شخصيات على الخشبة، بل عنهم هم أيضا.
الواثق بالله شاكير