languageFrançais

جديد محمد صابر الوسلاتي: حين يصطدم 'بابا نويل' بالواقع التونسي

قد يبدو حضور بابا نويل في تونس، خلال موسم أعياد الميلاد الأخير، مجرّد استعارة مسرحيّة طريفة أو لعبة تخييليّة تستدعي عالم الطفولة والفرح غير أنّ هذا الحضور، كما صاغه الممثّل محمد صابر الوسلاتي في عرضه الفردي الأوّل 'بابا نويل في تونس'، تحوّل إلى أداة نقديّة نافذة، تفكّك الواقع التونسي من خلال شخصية كونيّة لطالما ارتبطت في الذاكرة الجماعيّة بالهدايا والعطاء والبراءة.

وانطلق العرض، الذي احتضنه فضاء التياترو بالعاصمة مساء الأربعاء 4 فيفري 2026، من مفارقة بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالاتها: ماذا لو قرّر بابا نويل مغادرة القطب الشمالي واختيار تونس وجهة جديدة؟ بلد متوسّطيّ المناخ، ضارب في التاريخ، وغنيّ بتنوّعه الثقافي والطبيعي، ويملك شعبا اشتهر بطيبته وبقدرته الاستثنائيّة على السخرية من واقعه. هذه المفارقة تتحوّل، على الركح، إلى مدخل لطرح أسئلة كبرى تتعلّق بالواقع الاجتماعي والسياسي والإنساني.

وينجح الوسلاتي في قيادة شخصيّة كونيّة مألوفة نحو فضاء مغاير، حيث تصطدم الأسطورة باليوميّ، وتتفكّك الصورة المعلّبة أمام تفاصيل الحياة العاديّة. فانبهر بابا نويل، في بداية الرحلة، بالفلكلور التونسي، وبثراء المشهد الطبيعي، وبالصور الترويجيّة التي طالما قدّمت البلاد كوجهة للحلم. غير أنّ هذه الدهشة لا تلبث أن تتحوّل إلى ارتباك ثمّ إلى صدمة، حين يبدأ الاحتكاك الفعلي بالواقع.

وتتّخذ المغامرة منحى أكثر حدّة منذ اللحظة الأولى لوصول بابا نويل إلى مطار تونس قرطاج، حيث يتحوّل من زائر فضولي إلى شاهد مباشر على مظاهر التعطيل، والتجاوزات، والتأخّر التكنولوجي، والبيروقراطيّة الخانقة، إضافة إلى أشكال من الارتشاء المقنّع. يوميّات هذا القادم الغريب عن الأرض وثقافتها تبنى على محاولات متكرّرة للفهم والتأقلم، بل وحتى للإصلاح، غير أنّها تصطدم بواقع عصيّ على الترويض.

لا يختار العرض المواجهة المباشرة أو الخطاب الوعظي، بل يعتمد الكوميديا السوداء أداة للتفكيك والنقد. بأسلوب ساخر يمزج بين الضحك والجلد، ينجح الوسلاتي في محاكمة الرداءة، وفضح العبث اليومي، وتحريك سؤال 'التغيير' بوصفه إمكانا لا شعارا. ويعزّز هذا التوجّه أداء جسدي مكثّف، وتوظيف مدروس لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يخدم المعنى ولا يطغى عليه.

وعلى الركح، لا يقدّم عرض 'بابا نويل' مجرّد حكاية مسلّية، بل يعرّي الفجوة العميقة بين الحلم والواقع، وبين الصورة التي تسوّق والواقع الذي يعاش، وبين ما يمنح رمزيا وما ينتزع قسرا. فبابا نويل هنا ليس شخصية خرافيّة عابرة، بل شاهد مرتبك على أسئلة الفقر، والانتظار، وخيبات الأمل، يكتشف متأخّرا أنّ بعض الشعوب لا تنتظر الهدايا، بل تطالب بأبسط حقوقها: الحق في العيش الكريم، وفي الكلام بلا خوف.

وفي هذا السياق، لا تبدو مسرحية 'بابا نويل في تونس' عرضا احتفاليا بقدر ما هي محاكمة ثقافيّة للواقع، تفتح باب الضحك وتغلقه على تأمّل ثقيل. عرض يضع المتفرّج أمام مسؤوليّته، لا بوصفه شاهدًا فقط، بل طرفًا في المعادلة، ويذكّره بأنّ التاريخ لا يحتفظ بالنيّات الحسنة، بل بالأفعال. فإمّا أن نكون جزءا من ذاكرته، أو نلقى في مزبلته.

الواثق بالله شاكير