'المجيرة بنت الحيّ'.. تُحقّق حلم حنان الشّقراني
تأخّر الصعود على الرّكح، لكنه جاء أخيرًا من بوّابة المسرح البلدي بالعاصمة، في ليلة شتوية محمّلة بالتأثّر والمشاعر الفيّاضة. هناك، قدّمت الممثّلة التونسية حنان الشّقراني العرض الأوّل لمسرحيّتها 'المجيرة بنت الحي'، نصّ أوس المسعودي وإخراج وليد بالزّين، أمام جمهور لم يكن مجرّد متفرّج، بل شركاء حلم وذاكرة: عائلتها، رفاق دربها، تلاميذها، ومحبوها على الرّكح وعبر الشّاشة… كلّهم جاؤوا ليشاركوها لحظة تتويج مسار طويل، وحلم تأجّل كثيرا لكنه لم يلغ.
وانطلقت المفاجآت منذ اللّحظة الأولى التي قرع فيها جرس المسرح ليعلن بدء العرض. انطفأت الأضواء، عمّ الصمت القاعة، لكن حنان لم تظهر على الرّكح. كانت وسط الجمهور. كسرت الحاجز الوهمي بين الممثّل والمتلقّي، وجعلت من الجمهور شخصيّة حيّة في عملها الأوّل على طريقة الوان وومن شو. حيّتهم، خاطبتهم، وشرعت تشاركهم حكاياتها، حكايات تروى لصديقة اسمها 'فوفا'، الحاضرة الغائبة، البطلة التي ترافق العرض كاملا دون أن نراها.
في هذا العمل، لا تكتفي الشّقراني بالأداء، بل تُعرّي الذاكرة. شخصية 'حنينة'، الفتاة القادمة من حيّ شعبي، ذات المستوى التعليمي البسيط، تتحوّل إلى مرآة اجتماعية تعكس واقع التنمّر، الإخفاقات العاطفية، الانكسارات العائلية، والضغوط المادية. حكاية امرأة عاديّة، لكن عاديّتها موجعة، مليئة بالخسارات الصغيرة التي تتراكم حتى تنقلب الحياة رأسا على عقب.
المسرحية ليست ضحكا خالصا ولا تراجيديا ثقيلة. هي مزيج دقيق بين العفوية التي عرفت بها حنان الشّقراني، والمشهد التراجيدي الذي يفتح جروحا مسكوتا عنها. وجها مختلفا تقدّمه الشّقراني لجمهورها، بعيدا عن التصنيف الجاهز للممثّلة الكوميدية، لتؤكّد أنّ الضحك لم يكن يوما نقيض الألم، بل طريقا إليه.
وأفادت حنان الشّقراني أنّ هذا العرض يعدّ خطوة خاصّة في مسيرتها الفنيّة، إذ تقدّم لأوّل مرّة عرضا منفردا، بعد تأجيل فرضته التزاماتها العائلية ومهنتها كأستاذة مسرح. وأوضحت أنّ مشروع 'المجيرة بنت الحي' انطلق منذ ستّ سنوات، وبدأت بروفاته قبل أن تتوقّف بسبب جائحة كورونا، غير أنّ الإصرار على العودة إلى الخشبة كان أقوى من كلّ الانقطاعات.
'المجيرة بنت الحيّ'، ليست مجرّد عرض مسرحي، بل اعتراف متأخّر بركح لم يغب يوما عن الذاكرة: عودة هادئة، صادقة، ومؤلمة أحيانا، لحنان الشّقراني إلى المكان الذي يشبهها… المسرح. عرض يؤكّد أن بعض الأحلام لا تموت، بل تنتظر وقتها فقط.
الواثق بالله شاكير