بصوت أصالة ونخبة النجوم.. 'القيصر' يقتحم عتمة الزنازين السوريّة
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، ترفع القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية سقف التحدي لخوض غمار الماراتون الدرامي السنوي.
هذا العام، يتجاوز التنافس حدود السباق على نسب المشاهدة، ليتحول إلى استعراض فني يجمع أقطاب النجوم العرب في أعمال تتنوع بين الفنتازيا والكوميديا، وصولاً إلى الدراما الواقعية التي تلامس الجراح المفتوحة وتنبش في المسكوت عنه.
وفي قلب هذا الضجيج التنافسي، يبرز مسلسل "القيصر: لا مكان ولا زمان" كأحد أكثر الأعمال إثارة للجدل والترقب، ليس فقط لضخامة إنتاجه، بل لاقتحامه منطقة شائكة وشديدة الحساسية في المشهد السوري المعاصر. فالعمل ينسلخ عن إطار الترفيه التقليدي ليغوص في عتمة الزنازين، مسلطاً الضوء على ملف المعتقلين وما يرافقه من أوجاع وقصص صامتة خلف الجدران الصماء خلال حقبة النظام السوري، مما يجعله رقماً صعباً في معادلة الموسم الدرامي الحالي.
اعتمد صنّاع المسلسل بنية سردية مغايرة للمألوف، حيث يتألف العمل من 30 حلقة موزعة على عشر ثلاثيات مستقلة، تتناول كل منها قصة منفصلة توثق تجارب احتجاز قاسية، وتغوص في عمق الوجع الإنساني وتفاصيل البقاء خلف القضبان.

ويقود هذه الملحمة نخبة من القامات الفنية السورية المعروفة بقدرتها على تجسيد الأدوار المركبة، وفي مقدمتهم الفنان عبد الحكيم قطيفان الذي يمنح العمل ثقلاً درامياً استثنائياً، إلى جانب سلوم حداد، محمد حداقي، صباح الجزائري، غسان مسعود، ونانسي خوري. ويشكل هذا الحضور النوعي ضمانة لأداء تمثيلي يلامس حدود الواقعية المفرطة.
ومن خلال عنوان العمل الذي يوحي بضياع المحددات الزمنية والمكانية، يحاول المخرج صفوان مصطفى نعمو نقل المشاهد إلى الحالة الشعورية التي يعيشها الناجون، حيث تتوقف الساعة عن الدوران ويغدو البقاء على قيد الحياة هو المعركة الوحيدة. ولا يكتفي العمل بعرض المعاناة كغاية، بل يسعى عبر حوارات مكثفة إلى فتح نقاش جاد حول مآلات الصراع السوري، والآثار النفسية والاجتماعية العميقة التي تركتها تجربة الاعتقال على الأفراد وعائلاتهم.
ولتكتمل أركان هذه اللوحة الإنسانية، جاءت شارة المسلسل بصوت النجمة أصالة نصري، التي أضفت بصوتها المحمل بالشجن والقوة بُعداً وجدانياً مؤثراً.
وقد ظهرت "أيقونة الشرق" في فيديو كليب الأغنية وهي تبكي تأثراً بكلمات الشارة التي تقول في مطلعها: "قوي ضرباتك يا ظالم راسي ما بيحني.. قيصر زماني بالعزة مش رح تكسرني"، مؤكدة أن هذه التجربة تختلف تماماً عما قدمته سابقاً في مسيرتها الفنية.
بعيداً عن حسابات الربح والخسارة وتصدر "التريند"، يختار "القيصر" مساراً مختلفاً يخاطب الذاكرة والوجدان، مؤكداً أن الدراما الحقيقية هي التي تجرؤ على منح صوتٍ لمن صُودرت أصواتهم لسنوات طويلة، لتكون الشاشة هذه المرة مرآةً للحقيقة لا مجرد أداة للتسلية.
ويبقى الرهان الحقيقي لمسلسل "القيصر: لا مكان ولا زمان" معلقاً بمدى قدرته على إحداث توازن دقيق بين التوثيق التاريخي والضرورة الدرامية.
*أميرة العلبوشي