languageFrançais

عمادة المهندسين تحذر من عجز بـ2300 ميغاواط في صيف 2027

حذّرت عمادة المهندسين التونسيين من أن أزمة الكهرباء التي عاشتها تونس خلال صيف 2026 لا يمكن اختزالها في موجة الحر أو الارتفاع الظرفي في الاستهلاك، معتبرة أنها نتيجة اختلالات هيكلية في منظومة الطاقة، سبق أن نبه إليها مجلس علوم الهندسة منذ سبتمبر 2023.

وفي دراسة بعنوان "خارطة الطريق الطاقية لتونس للفترة 2027-2035، بعنوان «الكهرباء والغاز: كيف نتجنب تكرار أزمة صيف 2026؟" ، أكدت فيها العمادة أن معالجة الوضع تظل ممكنة، لكنها تتطلب "قراراً سياسياً متواصلاً، وتمويلاً مدروساً، وتنفيذاً صارماً في الآجال".

عجز بـ2300 ميغاواط في صيف 2027

وتكشف الأرقام التي أوردتها العمادة حجم الفجوة بين الطلب المتزايد والقدرات المتاحة لإنتاج الكهرباء. فقد بلغ النقص التقديري في القدرة الكهربائية خلال أقصى لحظات الطلب في صيف 2026 نحو 2000 ميغاواط.

والأكثر إثارة للقلق أن العجز المتوقع في صيف 2027 قد يصل إلى 2300 ميغاواط قبل تنفيذ أي إجراءات جديدة، إذ يمكن أن يبلغ الطلب في ذروة الاستهلاك نحو 6800 ميغاواط، مقابل قدرة فعلية متاحة لا تتجاوز 4500 ميغاواط خلال فترات شدة الحر.

وتشير العمادة إلى أن الطلب الفعلي لا يقل عن 6500 ميغاواط يومياً، مع تسجيل ذروتين للاستهلاك، الأولى خلال الفترة الممتدة من الساعة 11 صباحاً إلى الخامسة مساءً، والثانية بين السابعة مساءً والحادية عشرة ليلاً.

الغاز في قلب أزمة الكهرباء

وتبرز خارطة الطريق هشاشة المنظومة التونسية أمام تقلبات سوق الغاز، في ظل الاعتماد شبه الكلي على الغاز المستورد والمكلف.

وحسب الوثيقة، فإن نحو 91% من الكهرباء المنتجة في تونس تعتمد على الغاز الطبيعي، باستثناء الكهرباء المستوردة، فيما يأتي حوالي 75% من غاز محطات توليد الكهرباء من الجزائر.

وتُقدّر فاتورة الغاز خلال فصل الصيف بنحو 130 مليون دولار شهرياً، وقد تتجاوز في بعض الفترات 150 مليون دولار، وهو ما يمثل ضغطاً إضافياً على المالية الخارجية للبلاد، باعتبار أن هذه النفقات تُدفع بالعملة الصعبة.

الحرارة تضاعف الضغط على المنظومة

ولا تقتصر تداعيات موجات الحر على ارتفاع استهلاك الكهرباء بسبب الاستخدام المكثف لمكيفات الهواء، وفق العمادة، بل تمتد أيضاً إلى تراجع أداء معدات الإنتاج.

وتشير الوثيقة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة الطلب على الكهرباء، بالتوازي مع تراجع كفاءة التوربينات بنحو 25%، ما يجعل المنظومة تواجه ضغطاً مزدوجاً في الوقت نفسه: ارتفاع الطلب وتراجع جزء من القدرة على الإنتاج.

وتضيف العمادة أن نحو 20% من الطاقة المنتجة تُفقد في الشبكات نتيجة الفاقد غير التقني، بما يزيد من حجم الفجوة بين الطاقة المنتجة والطاقة التي تصل فعلياً إلى المستهلكين.

استثمارات متأخرة وفجوة تتسع

وترى عمادة المهندسين أن نمو الطلب على الكهرباء، الذي يقدّر بنحو 5% سنوياً، يفرض إضافة قرابة 200 ميغاواط من القدرات الجديدة كل عام.

غير أن عدداً من المشاريع المبرمجة عرف تأخراً، من بينها مشاريع بحوالي 1000 ميغاواط في محطتين بالشمال، إضافة إلى نحو 1380 ميغاواط من مشاريع الطاقات المتجددة العمومية والخاصة.

وتعني هذه التأخيرات، وفق القراءة التي تقدمها الوثيقة، أن تونس لا تواجه فقط مشكلة في توفير الغاز أو إدارة الطلب خلال فترات الذروة، وإنما تواجه أيضاً تأخراً في تطوير قدرات إنتاج جديدة قادرة على مواكبة نمو الاستهلاك.

أزمة كان يمكن توقعها

وتلفت العمادة إلى أن الأزمة لم تكن مفاجئة بالكامل، مشيرة إلى أن تشخيصاً سابقاً كان قد قدّر العجز في حدود 1000 ميغاواط، قبل أن يتضاعف تقريباً ليبلغ نحو 2000 ميغاواط نتيجة تراكم عوامل من بينها الحر، وتعطل بعض وحدات الإنتاج، وقيود الغاز والشبكة.

وبذلك، لا تقدم خارطة الطريق أزمة صيف 2026 باعتبارها حادثاً استثنائياً منفصلاً، بل باعتبارها إنذاراً جديداً بشأن قدرة منظومة الكهرباء التونسية على تأمين حاجيات البلاد في السنوات المقبلة.

وتدعو الوثيقة، في هذا السياق، إلى حزمة إجراءات متدرجة لإعادة هامش الأمان إلى المنظومة، مع التأكيد على أن نجاحها يرتبط بوضوح القرار السياسي، وتوفير التمويل، وتسريع إنجاز المشاريع، وتحسين أداء الشبكة، إلى جانب تقليص الاعتماد على الغاز وتوسيع مساهمة الطاقات المتجددة.

صلاح الدين كريمي