languageFrançais

الفسفاط التونسي.. هل تفتح الاكتشافات الجديدة باب الاستثمار؟

لم يعد النقاش حول الفسفاط في تونس مقتصراً على تذبذب إنتاج شركة فسفاط قفصة أو الصعوبات التي يواجهها المجمع الكيميائي التونسي، فبعد سنوات من التعثر، عاد القطاع إلى الواجهة مع رخص جديدة للاستكشاف، واكتشافات مهمّة أعلنت عنها شركة أسترالية في القصرين، وتحركات دولية متزايدة حول الفسفاط والأسمدة.

وفي وقت تتجه فيه الجزائر والمغرب إلى تعزيز حضورهما في سوق الفسفاط، وتبحث فيه دول كبرى عن تأمين سلاسل توريد المواد الأولية الإستراتيجية، يبرز سؤال آخر في تونس: هل تتجه الدولة فعلاً إلى فتح الباب أمام استثمارات جديدة في استكشاف واستخراج الفسفاط؟

قطاع استراتيجي.. وإنتاج مضطرب

ظل الفسفاط لعقود من الزمن أحد أهم موارد تونس، غير أن القطاع شهد منذ 2011 تراجعاً حاداً في الإنتاج، بسبب الاحتجاجات الاجتماعية وتعطل عمليات الاستخراج والنقل، إضافة إلى الصعوبات التي تواجهها شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي.

ويذكّر الباحث والأكاديمي المتخصص في التنمية والتصرف في الموارد حسين الرحيلي بأن تونس كانت تنتج قبل 2011 بين 8 و9 ملايين طن من الفسفاط التجاري سنوياً، فيما لم يتجاوز الإنتاج في السنوات الأخيرة نحو 3 ملايين طن.

وتحاول الدولة استعادة جزء من هذه المكانة، ووضعت هدفاً للوصول إلى 14 مليون طن سنوياً في أفق 2030، لكن هذا الهدف يظل مرتبطاً بقدرة القطاع على تجاوز مشاكله المتراكمة، من الإنتاج والنقل إلى التحويل والبيئة.

ويرى الرحيلي أن الإشكال لا يتعلق فقط بكمية الفسفاط الموجودة في باطن الأرض، بل بطريقة التعامل مع هذه الثروة، معتبراً أن تونس ما تزال أسيرة عقلية تقوم على استخراج المورد أكثر من التفكير في تثمينه وضمان استدامته.

مشروع ''القصعات'' اكتشاف جديد

في هذا المناخ، برز مشروع شركة PhosCo الأسترالية في منطقة قصعات بالقصرين.وكانت الشركة قد أعلنت عن اكتشاف موارد فسفاطية جديدة، بعد إضافة مكمنين هما KM وSAB، لترفع تقديرات الموارد في المشروع إلى حوالي 166.6 مليون طن.لكن هذه الأرقام لا تعني أن تونس أمام منجم جاهز للإنتاج.

فالشركة لا تزال في مرحلة الاستكشاف والدراسات، كما أن الانتقال من اكتشاف جيولوجي إلى مشروع استغلال يتطلب المرور بعدة مراحل، من تقييم نوعية الخام وكمياته، إلى تحديد كلفة الاستخراج والمعالجة والنقل، وصولاً إلى إثبات الجدوى الاقتصادية للمشروع.

ويشير الرحيلي إلى أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة، لأن أسعار الفسفاط العالمية قد تتغير خلال فترة الاستكشاف، كما أن جودة الخام وكلفة معالجته ستحددان في النهاية مدى قابلية المشروع للاستغلال التجاري.

الرخصة لا تعني الاستغلال

وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة في ظل الجدل الذي أثارته رخصة البحث المسندة إلى الشركة الأسترالية.فالرخصة الحالية تتعلق بالبحث والاستكشاف ولا تعني آلياً منح حق الاستغلال التجاري.

وكانت تونس قد أسندت في فيفري 2025 رخصة بحث عن الفسفاط تحت اسم «قصعات» تشمل مناطق في القصرين والكاف وسليانة على مساحة تبلغ حوالي 12 ألف هكتار، مع برنامج أدنى لأشغال البحث والاستكشاف بقيمة تفوق 35 مليون دينار.

وبالتالي، فإن الحديث عن استثمارات جديدة في القطاع يجب أن يميز بين مرحلة البحث عن الموارد وإثبات وجودها، وبين مرحلة الاستغلال التي تتطلب استثمارات أكبر وقرارات وشروطاً مختلفة.

لماذا عاد الفسفاط إلى دائرة الاهتمام؟

التحولات في السوق العالمية تعطي أهمية إضافية لهذه الاكتشافات.فالفسفاط ليس مجرد مادة معدنية، بل يمثل أساساً لصناعة الأسمدة، وبالتالي يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي. كما أن بعض مشتقاته تدخل في صناعات حديثة، من بينها بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم.

ومع تزايد الطلب العالمي على الأسمدة، واهتمام الدول بتأمين مصادر مستقرة للمواد الأولية، أصبح الفسفاط جزءاً من حسابات اقتصادية واستراتيجية تتجاوز حدود الدول المنتجة.وتونس ليست خارج هذه المنافسة.

ففي الجزائر، يجري العمل على مشاريع ضخمة تجمع بين الاستخراج والتحويل، بينما يمتلك المغرب تجربة متقدمة في دمج عمليات الاستخراج والتصنيع والتسويق.

ويحذر الرحيلي من أن استمرار تونس في فقدان حصتها من السوق العالمية قد يجعلها تخسر مزيداً من مواقعها، في وقت يطور فيه المنافسون الإقليميون قدراتهم.

المنحة الاستثمارية الأمريكية.. ماذا وراءها؟

ومن بين المؤشرات التي أثارت الانتباه مؤخراً بلاغ السفارة الأمريكية في تونس حول دعم الاستثمار الخاص في قطاع الفسفاط.ولا يعني هذا البلاغ، وفق المعطيات المتوفرة، أن الولايات المتحدة قررت الاستثمار مباشرة في منجم تونسي، لكنه يعكس اهتماماً بتطوير القطاع وتشجيع الاستثمار الخاص والشفاف فيه، بما يشمل سلسلة القيمة المرتبطة بالفسفاط.

ويرى حسين الرحيلي أن هذا الاهتمام يمكن أن يُقرأ في سياق أوسع، يتعلق بالمنافسة الدولية على الموارد وتأمين سلاسل الإمداد.

كما أن مقرر لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة بمجلس نواب الشعب محمد علي فنيرة يرى أن الاهتمام الأجنبي بالفسفاط التونسي قد يمثل فرصة لجذب استثمارات جديدة، خاصة وأن عمليات الاستكشاف تتطلب تمويلات كبيرة لا تستطيع الدولة تحملها بسهولة في الظرف الحالي.

الاستثمار الأجنبي.. فرصة أم تحد جديد؟

فتح الباب أمام الشركات الأجنبية يطرح في المقابل سؤالا حول شروط الاستثمار.فالدولة التونسية تحتاج إلى أموال وتقنيات وخبرة في مجال الاستكشاف، لكن الثروة تبقى ملكاً للدولة، وبالتالي فإن أي مشروع جديد يفترض أن يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، سواء من خلال المداخيل أو مواطن الشغل أو نقل التكنولوجيا أو تطوير الصناعات التحويلية.

ويؤكد مقرر اللجنة أن البرلمان منفتح على الاستثمار في هذا المجال، لكنه يشدد على ضرورة أن يكون الاستثمار في مصلحة الدولة التونسية.

أما حسين الرحيلي فيطرح سؤالاً أكثر جوهرية، إذا كانت تونس تملك خبرة متراكمة في الفسفاط، فلماذا لا يتم بالتوازي تطوير المؤسسات الوطنية وإعادة تأهيلها حتى تكون قادرة على استغلال هذه الموارد؟

استخراج جديد أم إصلاح القديم؟

هنا تظهر المفارقة الأساسية في ملف الفسفاط.فتونس تبحث عن مكامن جديدة وتمنح رخص استكشاف، في وقت لا تزال فيه المؤسسات التي تستغل الموارد الموجودة تواجه صعوبات مالية.

شركة فسفاط قفصة تعاني من تراجع الإنتاج ومشاكل النقل وارتفاع كلفة النشاط، فيما يواجه المجمع الكيميائي تحديات تتعلق بالمصانع والأسواق والبيئة.

كما أن تطوير مشاريع جديدة يحتاج إلى كميات مهمة من المياه، وهو ما يمثل تحدياً إضافياً في بلد يعاني أصلاً من ندرة الموارد المائية.

ويرى الرحيلي أن مسألة المياه ستكون من بين الملفات الحاسمة بالنسبة إلى أي مشروع فسفاطي جديد، سواء في القصرين أو غيرها من المناطق، خاصة إذا كان الهدف الانتقال من مجرد استخراج الخام إلى معالجته وتحويله.

القيمة ليست في الفسفاط الخام

ويجمع المتدخلون في الملف تقريباً على نقطة واحدة، المستقبل لا يمكن أن يكون في استخراج الفسفاط وتصديره فقط. فالقيمة الأكبر توجد في تحويله إلى حامض فوسفوري وأسمدة ومنتجات كيميائية أخرى.

وهذا يعني أن أي مشروع جديد ينبغي ألا يُنظر إليه فقط باعتباره منجماً، وإنما باعتباره جزءاً من منظومة صناعية كاملة تبدأ من الاستكشاف والاستخراج وتنتهي بالتحويل والتصدير.

وفي المقابل، فإن هذه الصناعة مطالبة بمعالجة آثارها البيئية، خصوصاً بعد سنوات من الجدل حول التلوث المرتبط بالمنشآت الفسفاطية والكيميائية.

هل تبدأ تونس مرحلة جديدة؟

المؤشرات الحالية تقول إن الفسفاط التونسي دخل مرحلة جديدة من الاهتمام، رخص استكشاف، موارد جديدة معلنة، اهتمام من شركات أجنبية، تحركات إقليمية متسارعة، واهتمام دولي بتأمين سلاسل توريد الأسمدة والمواد الأولية.لكن بين اكتشاف مورد جديد وتحويله إلى ثروة فعلية، مسافة طويلة.

فتونس مطالبة في الوقت نفسه بإعادة تشغيل مؤسساتها القائمة، وتحسين النقل، وتأهيل المصانع، ومعالجة الإشكالات البيئية والمائية، وجذب التمويلات والتكنولوجيا، ووضع شروط واضحة أمام المستثمرين.

فهل تنفتح الدولة التونسية على مشاريع جديدة لاستكشاف واستخراج الفسفاط، أم تركز أولاً على إنقاذ المنظومة الحالية؟

 

كريم وناس