languageFrançais

سخرية رقمية وتعليقات سامّة.. كيف تحوّلت الكراهية إلى تسلية جماعية ؟

في العصر الرقمي، لم يعد النجاح أو التعبير عن الذات مجرّد مسيرة فردية تُكلل بالتقدير، بل أصبح محفوفا بـ"ضريبة علنية" يدفعها كل من يجرؤ على الظهور. فبمجرد نشر إنجاز شخصي أو فكرة إيجابية، سرعان ما تنهال موجات من التعليقات السامة والشائعات والسخرية القاسية التي تسعى لتقزيم الإنجاز وتحويله إلى مادة للتسلية.

أمام هذه الظاهرة اليومية، يبرز سؤال جوهري: لماذا يُصرّ البعض على تحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى منافذ لبثّ الإحباط؟ وكيف تحول التنمر والتعليقات السلبية من سلوك فردي هامشي إلى ثقافة رقميّة عامة؟

ماذا يدور داخل عقل "المتنمر الرقمي"؟

لتفسير ما يحدث داخل عقل "المتنمر الرقمي"، تضعنا السيكولوجيا الحديثة أمام مفهومين محوريين، أولهما الإسقاط النفسي، حيث يرى علماء النفس أن العنف اللفظي والتقليل من نجاح الآخرين هما غطاء لدفاع نفسي غير واع، فعندما يشاهد الفرد العاجز نجاح غيره، يستثير ذلك فيه مشاعر النقص والفشل الداخلي، فلا يجد لتهدئة هذا الصراع سوى تتفيه إنجاز الآخر ليوهم نفسه بأن النجاح غير مستحق.

 

على سبيل المثال عندما ينشر شخص خبر حصوله على شهادة أكاديمية أو ترقية مهنية بعد سنوات من التعب، يسارع المتنمر للتعليق "هذه الشهادة لا قيمة لها، الجميع يحصل عليها الآن" أو "وصلت بالواسطة فقط" وهو في الحقيقة يهرب من إحباطه الشخصي لعدم تحقيقه الإنجاز ذاته.

 

أما المفهوم الثاني فيتمثل في تأثير الغياب المادي أو غياب الرادع المباشر، حيث تمنح الشاشات الحسابات الوهمية أو البعيدة جغرافيا وهم الأمان، إذ أن غياب التواصل البصري المباشر يسقط الرادع الأخلاقي والخجل الاجتماعي، مما يدفع الفرد لكتابة كلمات قاسية وسامة لا يجرؤ على التلفظ بها وجها لوجه، وهذا ما يحدث مع من يستخدمون حسابات مجهولة بأسماء وصور مستعارة لكتابة تعليقات جارحة.

حين تتحوّل الكراهية إلى تسلية جماعية

لا يقتصر هذا السلوك السامّ على الدوافع النفسية الفردية بل يتعداها ليتحول إلى ثقافة منظمة تنتقل بالعدوى الجماعية، فعندما تندلع موجة هجومية على منشور ما ينخرط آلاف المستخدمين تلقائيا فيما يعرف بـ"تشتيت المسؤولية الأخلاقية"، حيث يتولد لدى الفرد شعور زائف بالأمان وسط الكثرة. 

ويتجلى ذلك بوضوح عندما يتداول المتابعون مقطع فيديو لشخص ارتكب خطأ بسيطا أو قدّم تصريحا لم يعجب البعض، فبدلا من أن يمر الموقف بسلام، تنهال عشرات وأحيانا مئات التعليقات الساخرة، ويرى كل مستخدم أن كلماته ليست سوى قطرة في محيط لن تضر، بينما النتيجة الإجمالية هي طوفان يدمّر الضحية نفسيا. 

وتؤكد الدراسات السلوكية في هذا السياق أن أكثر من 60% من المشاركين في حملات السخرية الرقمية لم يكونوا يبادروا بالتنمر بمفردهم لولا وجود هذه الموجة الجماعية.

وفي المقابل، يجري تطبيع هذه الكراهية وشرعنتها مجتمعيا عبر إضفاء ثوب "الميمز" والكوميديا السوداء للعدوانية، حيث يُعاد تصنيف التنمر الصريح وإطلاق الشائعات بوصفهما نوعا من الفطنة وسرعة البديهة. 

ويتجسد هذا التطبيع في تحويل صورة شخص تعرّض لموقف محرج أو زلة لسان إلى قالب ساخر يتمّ تداوله لـ "مجرد الضحك وإضفاء روح الفكاهة". 

هذه التغطية اللطيفة تُجرّد الفعل السلبي من بشاعته الأخلاقية، وتُحوّل الأذى النفسي الصريح المُوجّه للضحية إلى متعة تفاعلية وجرعة دوبامين سريعة يستهلكها الجمهور يوميا دون أي تأنيب للضمير.

التكنولوجيا شريكة في الجريمة

التكنولوجيا شريك فعلي في هذه الجريمة، فالمنصات الرقمية ليست بيئات خالية من الانحياز بل إنها تُدار وفق نموذج "اقتصاد الانتباه"، حيث تُبرمج الخوارزميات تلقائيا لتفضيل ونشر المحتوى والتعليقات التي تثير المشاعر الحادة كالغضب والجدل نظرا لأن الخطاب السام يُولّد تفاعلات مكثفة وسلسلة ردود متواصلة تدفعه سريعا إلى واجهة القائمة، ليتحول الأذى النفسي إلى سلعة مربحة للمنصات ووسيلة سهلة لحصد انتشار أوسع.

وظهر هذا الاستغلال الخوارزمي جليا في تجارب العديد من المشاهير الذين تحولت أزماتهم مع السخرية والانتقاد إلى وقود للتريند، فقد وقعت الفنانة سيلينا غوميز ضحية لهجمات متكررة بسبب تغيرات مظهرها الناجمة عن مرض الذئبة الحمراء والعلاج، وتكرر الأمر مع ليدي غاغا التي واجهت حملات كراهية منظمة بسبب إطلالاتها غير التقليدية وصلت حد إنشاء 'مجموعات كراهية' مخصصة لمهاجمتها، وصولا إلى الممثلة المصرية يسرا اللوزي التي تعرضت للتنمر لمجرد أن ابنتها تعاني من فقدان السمع.

ولا يقف خطر هذا التركيز الخوارزمي لحملات التنمر عند حدود الأذى النفسي العابر أو ضجيج منصات التواصل، بل يمتد ليعكس واقعا صحيا مظلما يهدد ملايين المستخدمين حول العالم، إذ تشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 30% من الشباب تعرضوا لشكل من أشكال التنمر الإلكتروني. 

كما تؤكد بيانات مراكز التحكم بالأمراض والوقاية منها (CDC) أن ضحايا هذه الحملات يواجهون خطرا مضاعفا للإصابة بالاكتئاب الحاد، وتزداد احتمالية إقدامهم على محاولات الأذى الذاتي بمعدل يتراوح بين ضعفين إلى ثلاثة أضعاف، مما يوضح كيف يمكن لتعليق مستهتر ترفعه الخوارزمية أن ينتهي بتدمير السلام النفسي لإنسان.

"لا تُطعم المتنمر" وفلسفة الصمت الفعّال

أمام هذا الضغط المتزايد الذي تفرضه التعليقات السامة والملاحظات المؤذية، يبرز التعامل الواعي كضرورة ملحة لحماية الصحة النفسية من التلوث الرقمي. 

ولعل أهم استراتيجية أفرزتها ثقافة الفضاء الرقمي هي القاعدة الذهبية "لا تطعم المتنمر Don't Feed the Troll"، حيث تنطلق هذه القاعدة من فهم عميق لطبيعة المتنمر الرقمي.

 

صنّاع السلبية لا يبحثون عن الحقيقة أو الحوار بل يعيشون على وقود الانتباه ويسعون إلى الاستفزاز وإثارة الجدل ليشعروا بوجودهم وبتأثيرهم على الآخرين.  

إن الدخول معهم في سجال أو محاولة الرد وتبرير الذات لا يفعل شيئا سوى منحهم الانتصار النفسي الذي يبحثون عنه، إلى جانب تغذية خوارزميات المنصات لرفع تلك المنشورات وإبقائها في الصدارة.

في المقابل، يمثل التجاهل والحظر الصامت قطعا كاملا لخط الإمداد النفسي والتفاعلي الذي يترقبونه فتسقط محاولاتهم في الفراغ. ولا يقف هذا الوعي عند حدود التجاهل بل يتطلب بناء مصداقية ذاتية تُعين الفرد على التمييز الدائم بين النقد البناء الموجه للتحسين والتطوير والإساءة الموجهة للتقزيم والنابعة من عقَد الفراغ والغيرة الداخلية. 

هذا الفرز الذهني هو الحصن الأخير الذي يمنعنا من ربط قيمتنا الذاتية أو تقييم نجاحاتنا بآراء وأحكام يصدرها عابرون خلف الشاشات.

 

 

إنّ وسائل التواصل الاجتماعي أدوات صمّاء لا طيبة فيها ولا شرّ بذاتها، هي مرايا تعكس ما في النفس البشرية من نبل وعقد. 

ومواجهة السلبية الرقمية لن تتحقق بانتظار المنصات وقوانينها وحدها، بل تبدأ من الفرد من خلال استيعاب دوافع المتنمر، وحرمان أصحاب التعاليق السلبيّة من التفاعل الذي يبحثون عنه، ونشر ثقافة الدعم الحقيقي للناجحين بدلاً من الانجراف خلف موجات الهدم المجاني.

 

"الصمت الواعي أمام التنمر ليس استسلاما بل هو أقوى ردّ ممكن"

share