منتدى دولي يوصي بإعادة صياغة شراكة متكافئة بين تونس وأوروبا
خلصت النقاشات والتوصيات الصادرة عن المنتدى الدولي لمؤسسة «ريالتاي» (Forum International de Réalités)، المنعقد بتونس تحت عنوان «تونس والاتحاد الأوروبي: الميثاق من أجل المتوسط في مواجهة الصدمات العالمية»، إلى ضرورة إعادة صياغة الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي على أساس المصالح المتبادلة والتنمية المشتركة، بعيداً عن الاقتصار على المقاربات الأمنية وإدارة الأزمات.
وأكدت مخرجات المنتدى أهمية تجاوز التصورات التقليدية التي تختزل تونس في موقعها الجغرافي باعتبارها جاراً جنوبياً للاتحاد الأوروبي، أو شريكاً تجارياً، أو فضاءً لإدارة تدفقات الهجرة، مشددة على ضرورة التعامل معها باعتبارها فاعلاً متوسطياً يمتلك أولوياته ومصالحه وتصوراته الخاصة للعلاقات الدولية.
وفي هذا السياق، برزت الدعوة إلى إرساء شراكة أكثر توازناً تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل، باعتبار أن استقرار أوروبا واستقرار الضفة الجنوبية للمتوسط مترابطان، وأن استدامة هذه العلاقة تقتضي تحقيق منافع مشتركة للطرفين.
التنمية والاستثمار محور الشراكة
وشددت النقاشات على ضرورة وضع الاقتصاد الحقيقي في صدارة التعاون التونسي الأوروبي، من خلال تشجيع الاستثمارات المنتجة، وتطوير الصناعة وتعزيز قدرتها التنافسية، ودعم الفلاحة القادرة على مواجهة التغيرات المناخية، وتحسين اندماج تونس في سلاسل القيمة الأوروبية والإفريقية.
كما أكدت أهمية تطوير التعاون في مجالات الانتقال الطاقي والطاقات المتجددة والربط الكهربائي والهيدروجين الأخضر والنجاعة الطاقية، إلى جانب التحول الرقمي والبحث العلمي والتكوين المهني والابتكار.
واعتبرت التوصيات أن نجاح الشراكة المتوسطية لا ينبغي أن يُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بمدى قدرتها على خلق مواطن الشغل، ونقل الخبرات والكفاءات، وتوفير آفاق جديدة أمام الشباب.
الدعوة إلى عدم اختزال الشراكة في ملف الهجرة
وفي ملف الهجرة، أكدت مخرجات المنتدى ضرورة عدم اختزال العلاقات بين ضفتي المتوسط في مراقبة الحدود والتصدي للهجرة غير النظامية، رغم أهمية التعاون في هذه المجالات.
ودعت إلى توسيع مجالات التنقل لتشمل الطلبة والباحثين والمهنيين، وتعزيز التعاون الجامعي والاعتراف بالمؤهلات العلمية والمهنية، إلى جانب معالجة الأسباب العميقة للهجرة، وفي مقدمتها البطالة والتفاوتات الجهوية وغياب الآفاق أمام الشباب.
كما شددت على أن تحويل المتوسط إلى مجرد فضاء لمراقبة الحدود من شأنه أن ينتقص من دوره التاريخي باعتباره مجالاً للتواصل والتبادل والتقارب بين الشعوب.
تونس حلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا
وتطرقت النقاشات أيضاً إلى ضرورة وضع الشراكة التونسية الأوروبية ضمن سياق جيوسياسي أوسع، يأخذ بعين الاعتبار الترابط بين منطقة المتوسط والمغرب العربي ومنطقة الساحل وإفريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار، برزت أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به تونس، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وتاريخها، في تعزيز التعاون بين أوروبا والمغرب العربي وإفريقيا، ودعم التكامل الاقتصادي والإقليمي.
كما شملت التوصيات ضرورة إدراج قضايا الحوكمة ودولة القانون والحريات ومشاركة المجتمع المدني ضمن حوار تونسي أوروبي صريح ومتوازن، يقوم على احترام الشركاء وتجنب تحويل هذه الملفات إلى أدوات للضغط أو أسباب إضافية لغياب الثقة.
ثلاثة شروط لإنجاح الميثاق من أجل المتوسط
وحددت مخرجات المنتدى ثلاثة شروط أساسية لإنجاح الميثاق من أجل المتوسط، أولها تحقيق الانسجام بين السياسات الاقتصادية والطاقية والهجرية والبيئية والأمنية، وثانيها تكريس مبدأ المصالح المتبادلة والاستجابة لأولويات الطرفين، وثالثها تحويل الالتزامات السياسية إلى مشاريع ملموسة تتضمن تمويلات وآجالاً زمنية واضحة وآليات للتقييم.
وأكدت النقاشات أن منطقة المتوسط لم تعد في حاجة إلى مزيد من التصريحات والقمم والمبادرات بقدر حاجتها إلى نتائج عملية ومشاريع قابلة للتنفيذ، بما يسمح بالانتقال من منطق الجوار إلى منطق المصير المشترك، وتحويل المنطقة من فضاء تتقاطع فيه الأزمات الدولية إلى مجال قادر على إنتاج حلول جماعية للتحديات الاقتصادية والتكنولوجية والمناخية.