languageFrançais

مشروع الميزان الاقتصادي: السياحة الصحية والرقمنة لتعزيز تنافسية تونس

تتجه تونس خلال سنة 2027 إلى تطوير نموذجها السياحي عبر الاستثمار في الخدمات ذات القيمة المضافة المرتفعة، وتعزيز السياحة الصحية والاستشفائية، وتسريع رقمنة القطاع، وتحسين جودة الإقامة والخدمات.

وتأتي هذه التوجهات ضمن مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027 الذي أعدته وزارة الاقتصاد والتخطيط بالتزامن مع إعداد ميزانية 2027، الذي يضع تنويع المنتوج السياحي وتطوير القدرة التنافسية للوجهة التونسية ضمن أولويات مخطط التنمية 2026-2030.

ويعكس هذا التوجه سعيا إلى تجاوز الاعتماد على الأنماط السياحية التقليدية، وتوسيع قاعدة الأسواق المستهدفة، واستقطاب شرائح من السياح ذات قدرة إنفاق مرتفعة، بما يدعم موارد البلاد من العملة الأجنبية ويساهم في تمديد الموسم السياحي.

السياحة الصحية لتعزيز المردودية الاقتصادية

تحتل السياحة الصحية والاستشفائية مكانة ضمن البرامج الموجهة لتطوير القطاع خلال سنة 2027، من خلال مواصلة تحسين الإطار التنظيمي وتطوير الخدمات المقدمة للمرضى الأجانب، بما يعزز تموقع تونس كوجهة إقليمية ودولية في هذا المجال.
ويستند هذا التوجه إلى إمكانية الربط بين الخدمات الصحية والعلاجية والإقامة السياحية، بما يسمح باستقطاب زوار لا ترتبط إقامتهم بالضرورة بالموسم الصيفي، ويساهم في تنشيط المؤسسات السياحية والخدمات المرتبطة بها على امتداد السنة.

كما يمثل تطوير السياحة الصحية فرصة لتعزيز التكامل بين القطاعين الصحي والسياحي، وتثمين الكفاءات الوطنية والبنية التحتية المتاحة، شريطة تحسين جودة الخدمات وتنسيق تدخلات مختلف المتعاملين وضمان استجابة العرض لحاجيات المرضى الأجانب.

وتندرج هذه السياسة ضمن توجه أوسع لتنويع المنتوج السياحي، يشمل السياحة الثقافية والبيئية والصحراوية والواحية، إلى جانب سياحة المؤتمرات، بما يتيح توزيع الحركة السياحية على مناطق مختلفة من البلاد.

رقمنة مسار الحريف والترويج الذكي

وتشكل الرقمنة أحد المحاور الرئيسية لبرنامج العمل السياحي لسنة 2027، إذ تتجه السلطات إلى رقمنة مسار الحريف، والعمل على اعتماد التأشيرة الإلكترونية، ومواصلة رقمنة عمليات المتابعة والرقابة.

كما يتضمن البرنامج إحداث منصة لمساعدة المؤسسات السياحية على الانخراط في التحول الرقمي، وتطوير أدوات الترويج الذكي بالشراكة مع المؤسسات الناشئة التونسية المختصة في التسويق والرقمنة.

ويهدف هذا التوجه إلى تحسين حضور الوجهة التونسية في الأسواق الدولية، وتطوير أساليب استهداف السياح، وتحسين العلاقة بين المؤسسات السياحية وحرفائها قبل الإقامة وخلالها وبعدها.

غير أن نجاح التحول الرقمي يظل مرتبطا بمدى قدرة المؤسسات السياحية، وخاصة الصغرى والمتوسطة، على اعتماد الأدوات الحديثة وتطوير مهارات العاملين فيها، فضلا عن ضمان تكامل الخدمات الرقمية مع جودة الخدمات المقدمة ميدانيا.

جودة الخدمات والاستدامة

وفي إطار الارتقاء بجودة المنتوج السياحي، يعتزم البرنامج تشجيع المؤسسات السياحية على اعتماد نظم التصرف في الجودة، ومواصلة مراجعة تصنيف النزل لإدراج معايير الجودة والاستدامة ضمن المنظومة المعتمدة.

كما تشمل التوجهات تحسين المحيط السياحي والعناية بالمسالك والمواقع السياحية والعلامات الإرشادية، إلى جانب إدماج القطاع ضمن أولويات الانتقال الإيكولوجي.
وتبرز هذه الإجراءات أهمية الانتقال من المنافسة القائمة أساسا على الأسعار والطاقة الاستيعابية إلى نموذج يركز على جودة التجربة السياحية وتنوع الخدمات والاستدامة البيئية.
وفي السياق ذاته، يتواصل برنامج إعادة تأهيل المؤسسات السياحية المغلقة وإدماجها مجددا في الدورة الاقتصادية، مع دراسة إمكانية تحويل بعضها إلى أنماط استغلال جديدة، من بينها مراكز إقامة ورعاية موجهة لكبار السن من السياح الأجانب.

استثمارات في التكوين والبنية التحتية

وتشمل المشاريع المبرمجة تحديث وإعادة هيكلة وتدعيم طاقة الإيواء بالمدارس السياحية في سوسة والمنستير وتوزر وعين دراهم، في نطاق التعاون الدولي، بكلفة تبلغ 28.4 مليون أورو.
كما تتضمن الخطة إنجاز دراسة فنية لتحديث البنية التحتية للمعهد العالي للدراسات السياحية والفندقية بسيدي الظريف بكلفة 300 ألف دينار، إلى جانب تمويل مشاريع تهيئة بالبلديات السياحية بقيمة 11 مليون دينار.
وتؤكد هذه المشاريع أن تحسين تنافسية السياحة التونسية لا يرتبط بالترويج وحده، بل يتطلب أيضا تطوير الموارد البشرية والبنية التحتية والارتقاء بالخدمات.

ويبقى الرهان الأساسي في سنة 2027 هو تحويل هذه التوجهات إلى نتائج ملموسة، من خلال تحسين جودة التجربة السياحية، وتعزيز إنفاق الزوار، وتوسيع مساهمة الجهات في النشاط السياحي، بما يجعل تنويع المنتوج مدخلا فعليا لرفع مردودية القطاع وتعزيز استدامته.

صلاح الدين كريمي 
 

share