languageFrançais

عمادة المهندسين تقترح خطة إنقاذ عاجلة لمنظومة الكهرباء

حذّرت عمادة المهندسين التونسيين من اتساع الفجوة بين العرض والطلب على الكهرباء خلال فترات الذروة، داعية إلى التحرك المبكر لتفادي ضغوط أكبر على المنظومة خلال صيف 2027، وطرحت جملة من الحلول العاجلة والمتوسطة والبعيدة المدى لتأمين التزويد بالكهرباء وتعزيز هامش الأمان للمنظومة.

وجاءت هذه المقترحات ضمن دراسة أعدتها عمادة المهندسين التونسيين، وقدّمها المهندس محمد زياد باشا، وتضمنت إجراءات لا تقتصر على إضافة محطات إنتاج جديدة، وإنما تقوم أساساً على استرجاع القدرات المتاحة، وترشيد الاستهلاك، وإدارة الطلب، وتطوير الطاقات المتجددة والتخزين، وتعزيز الشبكات وإصلاح الحوكمة.

وتقدّر الدراسة أن الفجوة يمكن أن تبلغ حوالي 2300 ميغاواط قبل اتخاذ الإجراءات خلال صيف 2027، وهو ما يجعل الاستعداد المبكر وتنفيذ الحلول المقترحة في آجالها عاملاً حاسماً لتجنب اضطرابات في التزويد خلال فترات الذروة.

1050 ميغاواط إضافية في صيف 2027

تقترح عمادة المهندسين، بالنسبة إلى صيف 2027، حزمة من الإجراءات السريعة التي يمكن أن توفر نحو 1050 ميغاواط.

وتشمل هذه الإجراءات تحسين أداء المجموعات الكهربائية الحالية من خلال تبريد هواء السحب والصيانة، بما يوفر نحو 200 ميغاواط، إلى جانب تأجير وحدات توليد مؤقتة بقدرة مماثلة.

كما تقترح الدراسة الاعتماد على توربينات ومحركات غاز سريعة الإنجاز بقدرة تصل إلى 250 ميغاواط، فضلاً عن فصل وإزاحة الأحمال، وخاصة الصناعية، بما يمكن أن يوفر نحو 100 ميغاواط.

وتتضمن الخطة كذلك تحسين الكفاءة الطاقية وضبط ذروة الطلب، مع تطوير الإنتاج الذاتي الشمسي في مرحلة أولى بقدرة تناهز 100 ميغاواط، إلى جانب مشروع شمسي كبير بالقدرة نفسها.

وتؤكد الدراسة أن بعض هذه الحلول لا تتطلب بناء محطات جديدة، إذ يمكن استرجاع قدرات مهمة من المنشآت القائمة عبر تدخلات تقنية محددة.

1410 ميغاواط في 2028 دون احتساب البطاريات

ترفع الإجراءات المقترحة لصيف 2028 القدرة المسترجعة أو الإضافية إلى حوالي 1410 ميغاواط، دون احتساب البطاريات.

وتشمل الحزمة تحسينات تقنية للتوربينات وتبريد هواء السحب بقدرة تصل إلى 310 ميغاواط، وتحويل محطة تعمل بدورة مفتوحة إلى دورة مركبة بقدرة تفوق 120 ميغاواط، إلى جانب إدخال محركات غاز سريعة بقدرة 200 ميغاواط.

كما تقترح العمادة تأجير وحدات توليد مؤقتة إضافية بقدرة 200 ميغاواط، وتطوير الطاقات المتجددة بقدرة إجمالية تناهز 480 ميغاواط، تشمل إمكانيات من بينها الامتياز الشمسي والطاقة الشمسية المنزلية، إضافة إلى الشبكة الذكية وإدارة الطلب بقدرة تصل إلى 100 ميغاواط.

وتشير الدراسة إلى أن تبريد هواء السحب يمكن أن يتيح استرجاع نحو 450 ميغاواط عند درجة حرارة 45 درجة مئوية، ضمن برنامج يمتد بين 2027 و2029، مع إمكانية اللجوء إلى شراء استثنائي لتقليص آجال الانتقاء.

خلية وطنية لإدارة الأزمة على مدار الساعة

ولا تتوقف مقترحات العمادة عند الجانب التقني والإنتاجي، إذ تقترح إنشاء خلية وطنية لإدارة أزمة الكهرباء تعمل على مدار الساعة خلال فترات الخطر.

وتقترح الدراسة اعتماد ثلاثة مستويات للإنذار هي اليقظة، والإنذار، والأزمة الكبرى، إلى جانب إصدار نشرة حكومية شهرية حول وضع المنظومة الكهربائية ومؤشرات العرض والطلب والمخاطر المحتملة.

كما تدعو إلى حماية الاستعمالات الحيوية من الانقطاعات، خصوصاً المستشفيات ومحطات الضخ ومنشآت معالجة مياه الصرف الصحي، مع التثبت مسبقاً من جاهزية المولدات الاحتياطية وقدرتها على العمل عند الحاجة.

وفي صورة الاضطرار إلى قطع الكهرباء، تقترح العمادة اعتماد قطع دوري ومعلن ومبرمج وعادل، عوضاً عن الانقطاعات المفاجئة، مع إعلام المواطنين مسبقاً عبر الرسائل القصيرة بمواعيد القطع.

الترشيد يبدأ في فيفري

وتدعو الدراسة إلى إطلاق حملة سنوية للترشيد والجاهزية بداية من شهر فيفري، أي قبل أشهر من فترة الذروة الصيفية، بما يسمح بإعداد المواطنين والمؤسسات والتقليص من الضغط على الشبكة قبل بلوغ مستويات الاستهلاك القصوى.

كما تقترح تعديل أوقات عمل الإدارات خلال فترات الذروة، وتشديد مكافحة الغش والربط العشوائي بشبكة الكهرباء، باعتبار أن الحد من الاستهلاك غير الضروري وتقليص الضياع يمكن أن يوفرا جزءاً من القدرات المطلوبة.

50% من الكهرباء من الطاقات المتجددة في 2035

وعلى المدى المتوسط والبعيد، تقترح عمادة المهندسين رفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى 35% من إنتاج الكهرباء سنة 2030، بما يعادل نحو 4800 ميغاواط، ثم بلوغ 50% سنة 2035 بقدرة تقارب 8350 ميغاواط.

وترتبط هذه الأهداف، وفق الدراسة، بضرورة تطوير قدرة الشبكة على استيعاب الإنتاج المتجدد وتخزينه.

وفي هذا الإطار، تقترح الدراسة إدخال بطاريات بقدرة تناهز 600 ميغاواط سنة 2030، إلى جانب محطات دورة مركبة بقدرات تتراوح بين 400 و650 ميغاواط خلال 2029 و2030، وإنجاز محطة ضخ وتخزين للطاقة الكهرومائية بقدرة تقارب 600 ميغاواط في 2035.

تعزيز الربط مع الجزائر وليبيا وإيطاليا

وتضع الدراسة تحديث الشبكة في صلب الحلول المقترحة، من خلال تقوية خطوط بقدرة 400 كيلوفولت، وتعزيز الربط الكهربائي مع الجزائر وليبيا وإيطاليا، إلى جانب تعميم العدادات الذكية للحد من الضياع وتحسين إدارة الطلب.

كما تطرح العمادة عدداً من الخيارات لتنويع مصادر الطاقة، بينها الغاز المسال، والغاز الصخري، والفحم، والمفاعلات النووية الصغيرة والهيدروجين الأخضر، مؤكدة أن هذه الخيارات ما تزال قيد الدراسة ولا تمثل قرارات نهائية.

وتشير الدراسة إلى تفاوت الجدوى بين هذه الخيارات، إذ تواجه بعضها كلفة مرتفعة أو تحديات تقنية وبيئية، بينما تظل الطاقات المتجددة خياراً رئيسياً، شرط تطوير التخزين والشبكات بالتوازي معها.

إصلاح الحوكمة جزء من الحل

وتعتبر عمادة المهندسين أن معالجة أزمة الكهرباء لا يمكن أن تقتصر على إضافة قدرات إنتاج جديدة، بل تتطلب إصلاحاً في طريقة إدارة القطاع.

وتقترح في هذا السياق إحداث هيئة تعديلية مستقلة للكهرباء، وإعداد مجلة للطاقة، وتعيين مفوض حكومي للطاقة، وتوجيه الدعم نحو الفئات الهشة، وتحسين استغلال الاستثمارات في الكفاءات والأمن السيبراني للمنظومة.

وتخلص الدراسة إلى أن التحدي الذي تواجهه تونس لا يتمثل فقط في توفير ميغاواطات إضافية خلال أشهر الصيف، وإنما في إعادة بناء هامش أمان مستدام لمنظومة الكهرباء.

صلاح الدين كريمي 

share