هل تسّرعُ دبلوماسية تونس مراجعة اتفاقيات شراكاتها مع أوروبا ودول أخرى؟
أكثر من ثلاثة عقود على إبرام اتفاق الشراكة بين تونس والإتحاد الأوروبي تطرح لأكثر من مرة خلال سنة 2026 هذه المسألة وذلك في مناسبة أولى من خلال دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى مراجعة الاتفاق مراجعة اتفاقية الشراكة الشاملة مع الاتحاد الأوروبي، لتكون "أكثر توازنا وعدلا "وذلك خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مارس 2026.
هل يكون مجلس الشراكة التونسية الأوروبية منطلقا لهذه المراجعة؟
وتكرر هذا الطلب خلال استقبال رئيس الجمهورية وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول خلال شهر أوت 2026 بقصر قرطاج إلا أن هذا التسارع في تأكيد تونس على ضرورة مراجعة الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي لا يخفي تصريحا صدر خلال شهر افريل الماضي عن المفوضية الأوروبية ببروكسل والذي أكدت فيه عدم تلقيها أي طلب رسمي من تونس لمراجعة اتفاقية الشراكة الموقعة بين الجانبين.
ويرى عدد من الخبراء أن ما صدر عن المفوضية الأوروبية يبرز أن النقاش داخل تونس بشأن إعادة النظر في الاتفاقية لم يتحول بعد إلى خطوة دبلوماسية رسمية على مستوى الاتحاد الأوروبي، حيث يشترط أي تعديل تقديم طلب واضح من الجانب التونسي قبل فتح مسار التفاوض وهو ما يجعل أي تحرك رسمي تونسي خطوة أساسية لفتح مسار مراجعة محتمل .
ولعل توجيه وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي، بنيويورك، هذا الطلب خلال كلمته مع المفوضة الأوروبية للمتوسط دوبرافكا شويتسا، بداية رسمية لهذا التحرك، حيث شدد النفطي على ضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي بما يضفي عليها مزيدا من الواقعية والإنصاف ويجعلها مجسّمة لشراكة حقيقية ومتضامنة، تستجيب للتحولات الراهنة وتراعي بصورة أفضل مصالح الطرفين وأولوياتهما لاسيما فيما يتعلق بالمبادلات التجارية والتعاون المالي والبرامج العلمية المشتركة.
من ناحيتها، أوضحت المسؤولة الأوروبية أنها تعي متطلبات المرحلة من أجل إرساء شراكة على قاعدة المصالح المشتركة واحترام السيادة وتطوير أطر الحوار، معبّرة عن الأمل في أن يشكّل مجلس الشراكة التونسية الأوروبية منطلقا لهذه العلاقة الجديدة.
ويذكر ان تونس والاتحاد الأوروبي كانا قد وقعا اتفاقية شراكة بالعام 1995، لتدخل حيز التنفيذ عام 1998، وتأسيس منطقة التبادل الحر بين الجانبين ليتم خلال شهر جويلية سنة 2023 تويع مذكرة تفاهم بشأن "شراكة إستراتيجية وشاملة" لتعزيز التعاون في مجالات بينها الاقتصاد والطاقة ومكافحة الهجرة غير النظامية .
مراجعة الاتفاقيات تتجاوز الاتحاد الأوروبي لتشمل دولا أخرى
وفي سياق متصل لا يقتصر تحرك تونس في هذا المستوى على مراجعة اتفاقياتها مع الاتحاد الأوروبي فقط بل يشمل أيضا اتفاقات اقتصادية ومذكرات تفاهم مع دول أخرى من خارج كوكبة الشريك الاستراتيجي الأول، من ذلك ما تقوم به تونس ضمن إستراتيجية وخطة عمل وزارة التجارة وتنمية الصادرات مع تركيا والتي توجت بإمضاء اتفاق جديد في ال 4 ديسمبر 2023 في إطار اتفاق التبادل الحرّ بين البلدين.
وفي سياق متصل، تعمل أيضا وزارة التجارة وتنمية الصادرات بالشراكة مع وزارة الاقتصاد و التجارة بحكومة الوحدة الوطنية الليبية على تطوير الإطار القانوني الذي ينظم العلاقات التجارية التونسية الليبية ليشمل مجالات جديدة قادرة على تحقيق النقلة النوعية المرجوة على المستوى الثنائي وتم توقيع عدد من إتفاقيات التعاون كركيزة لدفع الشراكة الإستراتيجية الإقتصادية والتجارية التونسية الليبية.
ويطرح الهدف ذاته مع دولة موريتانيا وكذلك الشأن بخصوص الاتفاقيات الثنائية بين تونس والجزائر وقد اعتبر إعادة تركيز الغرفة الاقتصادية المشتركة التونسية الجزائرية خلال سنة 2023 منطلقا لذلك كما يطرح الملف ذاته مع مصر، حيث أمضت تونس في إطار محاولاتها تطوير التبادل التجاري مع مصر اتفاقية مذكرات تفاهم وتعاون في ماي 2022 ضمن أشغال الدورة 17 للجنة العليا المشتركة لتعزيز التعاون في عدة قطاعات ومثل انعقاد الدورة السادسة للجنة التجارية والصناعية المشتركة التونسية المصرية في افريل 2025 فرصة لتقييم علاقات التعاون التجاري والصناعي بين البلدين.
وشملت هذه المراجعات دولا أخرى منها سويسرا وبريطانيا وهو ما يحتّم تحديث هذا البروتوكول لمواكبة المستجدات في ما تشق تونس طريقها لبناء اتفاقات شراكة صلبة ومخالفة لما تم توقيعه مع الاتحاد الأوروبي خلال انفتاحها منذ سنتين بقوة على الشركاء الأسيويين ومع الولايات المتحدة الأمريكية .
5 أسباب رئيسية للمراجعة الاتفاقات بين تونس وشركائها
وتتلخص أسباب تونس من مراجعة الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي وغيره في أولا إعادة التوازن الاقتصادي بعد تقييم الكلفة الاقتصادية المرتفعة لتحرير المبادلات التجارية وتجنب استئثار الطرف الأوروبي بالجانب الأكبر من الفوائد مقارنة بالاقتصاد التونسي وثانيا تحديث مجالات التعاون بأن تشمل المراجعة قطاعات المبادلات التجارية، والتعاون المالي، والبرامج العلمية المشتركة لتلائم المتطلبات والتحولات المعاصرة وثالثا تكريس السيادة والندّية بالتأكيد على أن تكون الشراكة مبنية على الاحترام المتبادل لمؤسسات تونس وسيادتها الوطنية ورابعا معالجة ملف الهجرة عبر اعتماد مقاربة شاملة ومتوازنة لقضية الهجرة غير النظامية تركز على معالجة أسبابها العميقة ومكافحة شبكات التهريب، إلى جانب تعزيز مسارات التنقل النظامي وخامسا مراعاة الأولويات الإقليمية من خلال إيلاء الأهمية للقضايا الإقليمية المشتركة مثل محورية القضية الفلسطينية كشرط أساسي لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية في الفضاء الأورومتوسطي.
هناء السلطاني