languageFrançais

تونس تُطلق استراتيجية سلامة مرورية لخفض الحوادث 50% بحلول سنة 2034

الاستراتيجية تتضمن 5 محاور رئيسية، و41 برنامجًا، و168 مشروعًا ونشاطًا قابلة للتنفيذ..

أكّدت وزارة الداخلية، بالشراكة مع وزارة الصحة والمرصد الوطني لسلامة المرور ومنظمة الصحة العالمية، انطلاق تنفيذ الاستراتيجية الوطنية مُتعدّدة القطاعات للسلامة المرورية (2025-2034)، وهي أوّل استراتيجية من نوعها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعتمد مقاربة تشاركية تجمع مختلف مؤسّسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والشركاء الدوليين.

وجاء ذلك خلال اليوم الدراسي الوطني حول "أهمية الاستثمار في السلامة المرورية وأولويات تنفيذ الاستراتيجية الوطنية متعددة القطاعات للسلامة المرورية"، الذي شهد حضور ممثلين عن الوزارات والهياكل الوطنية والدولية وشركاء التنمية والمؤسّسات المالية الدولية ووكالات الأمم المتحدة، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، اليوم الأربعاء 8 جوءلية بتونس العاصمة.

أوّل استراتيجية وطنية متعددة القطاعات

وقال العميد فرج بن إبراهيم، الكاتب القار للمجلس الوطني لسلامة المرور، في تصريح لموزاييك، إنّ الاستراتيجية تمتد على عشر سنوات، من 2025 إلى 2034، وقد انطلق الإعداد لها سنة 2024 بإشراف وزير الداخلية، رئيس المجلس الوطني لسلامة المرور.

وأوضح أنّ هذه الاستراتيجية أُنجزت بخبرات تونسية بنسبة 100%، وبمشاركة جميع هياكل الدولة والقطاع الخاص والجمعيات الناشطة في مجال السلامة المرورية، إلى جانب شراكة وثيقة مع منظمة الصحة العالمية وعدد من الشركاء الدوليين، بما يجعلها أول استراتيجية وطنية متعددة القطاعات في هذا المجال على مستوى المنطقة، ومتوافقة مع الخطة العالمية للسلامة على الطرق.

وأضاف أن الاستراتيجية تتضمن خمسة محاور رئيسية، و41 برنامجًا، و168 مشروعًا ونشاطًا قابلة للتنفيذ، بهدف إحداث تحول حقيقي في منظومة السلامة المرورية في تونس.

تكوين وبنية تحتية وتوعية

وبيّن بن إبراهيم أنّ المحور الأول يركز على تطوير البنية التحتية وتعزيز الكفاءات البشرية، من خلال إدماج السلامة المرورية في منظومة التعليم والتكوين العالي، مشيرًا إلى إحداث مسارات ماجستير متخصصة في السلامة المرورية بكل من صفاقس وسوسة، إضافة إلى إنجاز مشاريع هندسية وتكنولوجية في هذا المجال داخل مؤسسات التعليم العالي.

كما تم إعداد أدلة بيداغوجية موجهة لرياض الأطفال والمدارس الابتدائية والمعاهد الثانوية لترسيخ ثقافة السلامة المرورية لدى الناشئة، مؤكدًا أن نتائج هذه الجهود ستظهر على المدى المتوسط والبعيد.

مراجعة القوانين وتشديد الرقابة

وأشار الكاتب القار للمجلس الوطني لسلامة المرور إلى أنّ المحور الثاني يركز على حماية مستعملي الطريق من خلال مراجعة المنظومة القانونية وتعزيز تطبيق القانون، موضحًا أن حزمة من النصوص القانونية الجديدة ستصدر قريبًا.

وأكد أن أبرز أسباب حوادث المرور في تونس تتمثل في السرعة، والسهو، واستعمال الهاتف الجوال أثناء القيادة، داعيًا المواطنين إلى تغيير سلوكياتهم واحترام قواعد السير.
كما كشف عن مشاريع لتطوير منظومة المراقبة الآلية عبر تركيز كاميرات ورادارات ذكية على الطرقات لرصد المخالفات، ضمن برنامج سيُنجز تدريجيًا خلال السنوات المقبلة. وأوضح أن الاستراتيجية تستهدف خفض عدد حوادث المرور بنسبة 10% بحلول سنة 2027، ثم 25% مع نهاية سنة 2030، وصولًا إلى 50% سنة 2034.

النقل الذكي وسلامة الدراجات النارية

ويتعلق المحور الثالث بتنظيم قطاع النقل، سواء المنتظم أو غير المنتظم، فيما يركز المحور الرابع على تطوير منظومة النقل الذكي وتحسين سلامة المركبات.

وفي هذا السياق، أكد بن إبراهيم أن السلطات بصدد استكمال إعداد كراس شروط جديد لتنظيم قطاع الدراجات النارية، باعتبار أن هذه الوسيلة تمثل نسبة مرتفعة من الحوادث القاتلة في تونس، معربًا عن أمله في أن يسهم الإطار التنظيمي الجديد في الحد من هذه الظاهرة.

تطوير الإسعاف وتكوين مليون مواطن

أما المحور الخامس فيعنى بتطوير منظومة النجدة والإسعاف، بالشراكة مع وزارة الصحة والحماية المدنية، عبر تقليص زمن التدخل إلى ما بين 10 و15 دقيقة، وتعزيز أسطول سيارات الإسعاف وإحداث مراكز إسعاف متقدمة.

كما يتضمن البرنامج تكوين مليون مواطن في الإسعافات الأولية خلال السنوات المقبلة، بهدف تمكينهم من التدخل السريع لإنقاذ المصابين قبل وصول فرق النجدة.

الاستثمار في السلامة... عائد اقتصادي واجتماعي

وخلال اليوم الدراسي، تم الإعلان رسميًا عن نتائج دراسة وطنية حول الاستثمار في السلامة المرورية، أُنجزت بقيادة وزارة الداخلية والمرصد الوطني لسلامة المرور ووزارة الصحة، بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية وعدد من وكالات الأمم المتحدة.

وأظهرت الدراسة أن حوادث المرور كلّفت الاقتصاد التونسي نحو 1.73 مليار دينار خلال سنة 2023، أي ما يعادل 1.15% من الناتج المحلي الإجمالي، مع تسجيل قرابة 10 آلاف إصابة ووفيات خلال السنة نفسها.

وتشير التقديرات إلى أنّه في حال عدم اتخاذ إجراءات عاجلة، قد تسجل تونس خلال الثلاثين سنة المقبلة نحو 74 ألف وفاة وأكثر من 235 ألف إصابة وقرابة 9500 حالة إعاقة دائمة.

وفي المقابل، تُؤكّد الدراسة على أنّ الاستثمار في تحسين البنية التحتية، وتعزيز سلامة المشاة وراكبي الدراجات، وتطوير خدمات الإسعاف، وتشديد تطبيق قوانين المرور، يمكن أن يمنع أكثر من 17 ألف وفاة، ويجنب مئات حالات الإعاقة الدائمة، ويوفر ما يقارب 65.95 مليار دينار من الخسائر الاقتصادية خلال الثلاثين سنة المقبلة، بعائد استثمار يقدر بـ 12.29 دينارًا مقابل كل دينار يتم استثماره.

وفي ختام تصريحه، وجّه العميد فرج بن إبراهيم رسالة إلى مستعملي الطريق، ولا سيما الشباب، داعيًا إلى الالتزام بقواعد السلامة المرورية، واحترام السرعات القانونية، وربط حزام الأمان، وعدم استعمال الهاتف أثناء القيادة، مؤكدًا أن حوادث المرور لا تقتصر آثارها على الضحايا فحسب، بل تمثل مأساة لعائلات كاملة وخسارة كبيرة للمجتمع والاقتصاد الوطني.

صلاح الدين كريمي 

share