جلسة استماع حول مقترح قانون إصدار مجلة الصرف
عقدت لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب يوم الخميس 30 أفريل 2026 بمقر المجلس جلسة استماع مع وفد من الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، يتقدّمه سمير ماجول رئيس الاتحاد، حول مقترح قانون إصدار مجلة الصرف، ولتدارس رؤية القطاع الخاص حول الإصلاحات الجوهرية المقترحة وتأثيرها على مناخ الاستثمار وتنافسية المؤسسات التونسية.
وتولّى مُمثّلو الاتّحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية خلال هذه الجلسة طرح مقاربة إصلاحية شاملة ارتكزت على قراءة نقدية للتشريع الحالي المُنظّم للصرف الصادر سنة 1976، مقابل المشروع المقترح لمجلة الصرف، مبرزين أنّ المنظومة الحالية لم تعد تستجيب للتحوّلات الاقتصادية والمالية التي يشهدها العالم.
وفي هذا الإطار، أكّدوا على أنّ الفلسفة التشريعية المعتمدة حالياً تقوم على منطق رقابي قائم على التقييد والترخيص المسبق، في حين تتجه المجلة الجديدة نحو إرساء مقاربة أكثر انفتاحاً تقوم على التحرير التدريجي للعلاقات المالية مع الخارج، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز مرونة تحويل رؤوس الأموال، بما يدعم تنافسية الاقتصاد الوطني ويُحسن مناخ الأعمال.
"إدماج البعد الرقمي"
وشدد ممثلو المنظمة على ضرورة إدماج البعد الرقمي ضمن الإطار القانوني الجديد، مبرزين أنّ التشريع الحالي لا يواكب التطورات التكنولوجية المتسارعة، خاصة فيما يتعلق بالأصول المشفرة، ومنصات الدفع الدولية، والمعاملات المالية الرقمية العابرة للحدود.
ودعوا في هذا السياق إلى وضع إطار قانوني واضح يؤطر هذه الأنشطة ويضمن خضوعها للرقابة، دون أن يشكل ذلك عائقاً أمام الابتكار أو اندماج الاقتصاد التونسي في الاقتصاد الرقمي العالمي.
''مراجعة المنظومة العقابية''
وفيما يتعلق بالجانب الزجري، أكّد الوفد على ضرورة مراجعة المنظومة العقابية في مجال جرائم الصرف، عبر اعتماد مبدأ التناسب بين المخالفة والعقوبة، والتقليص من العقوبات السجنية، مقابل تعزيز الطابع الردعي الاقتصادي، بما يحقق التوازن بين فرض احترام القانون وتحفيز الامتثال الطوعي للمتعاملين الاقتصاديين.
وتطرّق ممثلو الاتحاد، إلى الإشكاليات المرتبطة بضبط صفة “المقيم” و “غير المقيم”، مؤكدين أن هذا المفهوم يعدّ من الركائز الأساسية في تنظيم العلاقات المالية مع الخارج. وقد تم التطرق إلى اعتماد المعيار الزمني (183 يوماً) لتحديد صفة الإقامة، مع إبراز انعكاساته على وضعية التونسيين بالخارج والمستثمرين الأجانب، خاصة من حيث حقوق تحويل الأرباح والتصرف في العملة الصعبة.
وفي هذا السياق، تم تأكيد ضرورة تحقيق توازن دقيق بين ضمان حرية تحويل الأرباح ورؤوس الأموال من جهة، واحترام متطلبات الرقابة المالية وحماية الاحتياطي من العملة الأجنبية من جهة أخرى، بما يضمن استقرار المنظومة المالية دون الإضرار بجاذبية الاستثمار.
"تقليص البيروقراطية الإدارية"
ولم يقتصر تدخّل وفد الاتحاد على عرض الجوانب الفنية لمشروع مجلة الصرف، بل قدّم رؤية اقتصادية متكاملة لدور المنظمة كشريك أساسي في مسار الإصلاح، حيث أكّد على أنّ نجاح أيّ إصلاح تشريعي يظلّ رهين إعادة بناء الثقة بين الدولة والفاعل الاقتصادي. وفي هذا الإطار، شدّد ممثلو الاتحاد على ضرورة تقليص البيروقراطية الإدارية، وتبسيط الإجراءات البنكية، وضمان وضوح واستقرار الإطار التشريعي، بما يعزز مناخ الاستثمار ويشجع المبادرة الخاصة.
وأبرز وفد الاتحاد أنّ الظرف الدولي الراهن، في ظل التحولات الجيوسياسية، يتيح فرصاً حقيقية لتونس لاستقطاب استثمارات جديدة، شريطة توفر منظومة صرف مرنة ومتكاملة مع قانون استثمار محفّز، بما يمكن من استغلال هذه التحولات لصالح الاقتصاد الوطني.
إشكالية التمويل
ومن جهة أخرى، تطرّق ممثلو الاتحاد إلى إشكالية التمويل، مؤكدين على أنّ ضعف التمويلات البنكية وارتفاع نسب الفائدة يمثلان من أبرز العوائق أمام الاستثمار، خاصة في القطاعات الاستراتيجية على غرار الانتقال الطاقي، الذي يتطلب موارد مالية هامة وآليات تمويل ملائمة، داعين في هذا الإطار إلى تطوير أدوات التمويل وتحسين شروط النفاذ إلى القروض بما يدعم الاستثمار والإنتاج.
وخلال النقاش، أكد النواب أهمية مشروع مجلة الصرف باعتباره أحد أهم الإصلاحات التشريعية ذات البعد الاستراتيجي في تحديث المنظومة المالية والنقدية للبلاد. وأكدوا على أنّ هذا المشروع يجب أن يُبنى على مقاربة تدريجية وتشاركية، تضمن التوازن بين متطلبات تحرير المعاملات المالية مع الخارج والحفاظ على استقرار التوازنات الاقتصادية والمالية للدولة، بما يعزز الثقة في المناخ الاستثماري الوطني. كما تطرّق النواب إلى الإشكاليات المرتبطة بمنظومة الصرف، مؤكّدين على أهمية الإسراع بإرساء مجلة صرف حديثة تستجيب للتحولات الاقتصادية والرقمية، وتُسهم في تسهيل عمليات تحويل الأموال وتشجيع استقطاب العملة الأجنبية.
"تحديث المنظومة الصرفية"
وفي سياق متصل، شدّد النواب على ضرورة تطوير الإطار التشريعي الحالي بما يواكب التحولات الاقتصادية والرقمية، كما اعتبروا أنّ تحديث المنظومة الصرفية يمثل شرطاً أساسياً لتعزيز جاذبية الاقتصاد التونسي واستقطاب الاستثمارات الأجنبية والتونسيين بالخارج.
وركّز النواب على الإشكاليات المرتبطة بمفهوم الإقامة القانونية، معتبرين أن ضبط صفة “المقيم” و“غير المقيم” يكتسي أهمية محورية في تحديد الحقوق والواجبات المالية، وخاصة ما يتعلق بتحويل رؤوس الأموال والأرباح. ودعوا في هذا السياق إلى مزيد من التوضيح والضبط القانوني لهذا المفهوم بما يضمن وضوح المعايير واعتماد مقاربة عادلة ومرنة تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات التونسيين بالخارج وتشجعهم على المساهمة في الاستثمار داخل البلاد.
"تحرير الاقتصاد"
ومن جهة أخرى، بيّن النواب خلال النقاش أنّ مسار الإصلاح الاقتصادي يستوجب اعتماد مقاربة تدريجية في اتجاه تحرير الاقتصاد، بما يتيح تعزيز المبادرة الخاصة وتحفيز النمو، مع التأكيد في المقابل على ضرورة صون التوازنات المالية الكبرى للدولة والحفاظ على استقرار المؤشرات الاقتصادية الأساسية، بما يضمن انسجام الإصلاحات مع القدرة الاستيعابية للاقتصاد الوطني.
وشدّد النواب على أهمية توجيه الاستثمار نحو المناطق الداخلية والجهات الأقلّ حظاً في التنمية، مع إعطاء الأولوية للقطاعات ذات القيمة المضافة العالية، باعتبارها رافعة أساسية لتحقيق العدالة التنموية والحد من التفاوت الجهوي، إلى جانب تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني على المدى المتوسط والبعيد.
وأكّد النواب على ضرورة دعم خيار الانتقال الطاقي باعتباره توجّها استراتيجيا للدولة، لما يوفّره من فرص استثمارية واعدة، وما يتيحه من إمكانية تقليص التبعية الطاقية وتعزيز الاستدامة البيئية والاقتصادية، بما ينسجم مع التزامات تونس في مجال التحول نحو اقتصاد أخضر.
كما تطرّق النواب إلى مسألة مكافحة التجارة الموازية، حيث دعوا إلى ضرورة الحدّ من هذا النشاط غير المنظّم من خلال تعزيز آليات الرقابة وتبسيط الإجراءات الإدارية والجبائية، بما يسهم في إدماج الاقتصاد الموازي ضمن الدورة الاقتصادية المنظمة، ويعزّز موارد الدولة ويحسن مناخ المنافسة العادلة بين المتعاملين الاقتصاديين.
تطوير المنظومة البنكية الوطنية
وفي الإطار ذاته، أكّد النواب على أهمية تطوير المنظومة البنكية الوطنية بما يُواكب التحولات الاقتصادية والمالية الدولية، ويدعم اندماج الاقتصاد التونسي في النظام المالي العالمي، مع ضرورة تحسين أدوات التمويل وتسهيل النفاذ إلى الخدمات البنكية لفائدة المستثمرين والمؤسسات الاقتصادية.
وفي تفاعلهم مع مداخلات النواب، أكّد ممثلو الاتّحاد على ضرورة تعزيز الثقة من خلال القطع مع البيروقراطية الإدارية وإعداد تشريعات مواكبة للتطورات الاقتصادية، إلى جانب الحدّ من التجارة الموازية.
وتمّ تقديم جملة من المقترحات من قبل وفد الاتّحاد بخصوص بعض الفصول. وقد تمّت مناقشة هذه المقترحات داخل اللجنة، حيث تمّ الاتفاق على إحالتها عبر البريد الإلكتروني مرفوقة بشروح وتعليلات توضّح أسبابها، وذلك للاستئناس بها عند مواصلة دراسة الفصول.

وبخصوص مقترحاتهم حول مجلة الصرف، دعوا إلى تمكين الاستثمارات بالعملة الصعبة من شمول عمليات فتح حسابات جارية للمساهمين، وضرورة تحديد نطاق تدخل البنك المركزي التونسي عند تطبيق التشريع المتعلق بالصرف، فضلا عن توضيح وضعية الطالب التونسي بالخارج من حيث الإقامة. كما أكّدوا على ضرورة تمكين الأشخاص الطبيعيين الأجانب غير المقيمين من استغلال استثماراتهم بعد تغيير صفتهم إلى مقيمين، سواء بالنسبة للاستثمارات المنجزة قبل أو بعد اكتساب صفة الإقامة.
وكان ذلك بحضور رئيس اللجنة ماهر الكتاري ونائب رئيس اللجنة ظافر الصغيري وأعضاء اللجنة، فيما تكوّن وفد الاتحاد من هشام اللومي وحمادي الكعلي نائبي رئيس الاتحاد، وخالد السلامي وسليم غربال عضوي المكتب التنفيذي الوطني، وأكرم بالحاج رئيس الجامعة الوطنية للجلود والأحذية، وماهر الفقي المدير المركزي للشؤون الاقتصادية بالاتحاد، وصالح الدخلاوي.