languageFrançais

هل تنجح تونس في قيادة ثورة رقمية صحية بأول مستشفى رقمي في أفريقيا؟

تقود تونس اليوم تحولاً رقمياً في قطاع الرعاية الصحية، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية تكميلية، بل أصبح حجر الزاوية في استراتيجيات السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية وتطوير البحث السريري والصناعات الدوائية. 

هذا المسار الجديد يتجاوز مجرد رقمنة الملفات ليصل إلى قلب غرف العمليات ومختبرات تصنيع الأدوية، مدفوعاً برؤية خبراء وباحثين يسعون لإعادة صياغة الطب التقليدي.

في طليعة هذه الابتكارات، تبرز دراسة الدكتورة حنين بوصي من المعهد العالي للتقنيات الطبية بتونس حول "التوائم الرقمية" في جراحة القولون وتعرف هذه التوائم بأنها نسخ افتراضية دقيقة للمرضى تدمج بياناتهم السريرية والبيولوجية وصورهم الطبية في الوقت الفعلي.

وتتيح هذه التقنية للجراحين محاكاة التدخلات الجراحية بدقة عالية، مما يساعد في التنبؤ بالنتائج والمضاعفات الخاصة بكل مريض قبل إجراء العملية فعلياً.

وقد كشفت الدراسة عن منصة "SurgiPlan" التي تتيح تقسيم الأعضاء والأورام آلياً ونمذجة التشريح ثلاثي الأبعاد، وتتبع الأدوات الجراحية لحظياً لتنبيه الطبيب من أي مخاطر محتملة. وبالتوازي مع التطور الجراحي، يشهد البحث السريري ثورة حقيقية تقودها الدكتورة سيرين محمود، مديرة توليد الأدلة في أحد الشركات الطبية.

ضرورة استراتيجية لتطوير الصناعة الدوائية

وتشير الدكتورة محمود إلى انتقال جوهري من البحث التجريبي التقليدي إلى "الهندسة التنبؤية" المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهذا التحول يأتي لمواجهة "قانون إيروم" (Eroom’s Law) الذي يعكس تراجع كفاءة البحث والتطوير الدوائي من خلال تقنيات مثل "المختبر في حلقة" (Lab in a Loop)، كما تساهم النماذج التوليدية في تصميم الجزيئات واختبارها افتراضياً، مما يقلل من نسب الفشل السريري التي تصل حالياً إلى 90%.

وعلى صعيد الصناعة، يؤكد الدكتور محمد مجدي كراي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً ثانوياً بل ضرورة استراتيجية لتطوير الصناعة الدوائية التونسية.

ويرى الدكتور كراي أن التحدي الفعلي لا يكمن في ندرة البيانات، بل في كيفية استغلال التدفق الهائل للمعلومات من الأنظمة المختلفة وتحويلها بذكاء إلى قرارات تدعم الابتكار والإنتاجية.

وتتويجاً لهذه الجهود، يبرز مشروع "أول مستشفى رقمي في إفريقيا" كنموذج تطبيقي يسعى لتحقيق السيادة الصحية.

ويرتكز المشروع على شبكة تربط عشرة مراكز طرفية بالمستشفى الرقمي المركزي، بهدف ضمان وصول الخدمات الطبية المتطورة إلى كافة المواطنين وتحقيق مبدأ العدالة في الرعاية الصحية بغض النظر عن الموقع الجغرافي.

تحديات وطنية تستوجب المعالجة

ورغم هذه القفزات الطموحة، يواجه القطاع تحديات وطنية تستوجب المعالجة، أبرزها تشتت أنظمة المعلومات الصحية وضعف الترابط بينها، إلى جانب الحاجة لتطوير البنى التحتية وتكثيف التكوين المتخصص في مجالات الصحة الرقمية. 

ومع ذلك، تظل الكفاءات الأكاديمية والطبية التونسية، مدعومة بالشراكات الدولية، المحرك الأساسي نحو عصر "الصحة 5.0" القائم على التنبؤ والتعاون والطب الشخصي.

حجم سوق الصحة الرقمية

يشهد العالم اليوم تحولًا متسارعًا في قطاع الرعاية الصحية مع بروز مفهوم الصحة الرقمية 4.0، الذي يجمع بين التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والبيانات الضخمة لتقديم خدمات صحية أكثر كفاءة ودقة. 

هذا التحول لم يعد مجرد تحديث تقني، بل أصبح اقتصادًا عالميًا ضخمًا يعيد تشكيل منظومات الصحة التقليدية ويخلق فرصًا استثمارية غير مسبوقة. 

وتشير التقديرات إلى أن حجم سوق الصحة الرقمية بلغ مئات المليارات من الدولارات في السنوات الأخيرة، مع توقعات بتجاوزه حاجز التريليونات خلال العقد القادم، مدفوعًا بتزايد الاعتماد على الحلول الرقمية في التشخيص والعلاج والمتابعة. حيث ساهمت جائحة كوفيد-19 في تسريع هذا التحول بشكل كبير، حيث أصبح التطبيب عن بُعد ضرورة وليس خيارًا، مما دفع الحكومات والمؤسسات الصحية إلى الاستثمار في البنية التحتية الرقمية.

كما أدى الانتشار الواسع للهواتف الذكية والتطبيقات الصحية إلى تمكين الأفراد من متابعة حالتهم الصحية بشكل مستمر، وهو ما يعزز مفهوم الطب الوقائي ويقلل من الضغط على المستشفيات.

تعزيز التنافسية وخلق فرص عمل

وتكمن أهمية اقتصاد الصحة الرقمية في قدرته على تحسين جودة الخدمات الصحية وخفض التكاليف في الوقت ذاته، إذ تتيح التقنيات الحديثة تشخيص الأمراض في مراحل مبكرة وتقديم علاجات مخصصة لكل مريض بناءً على بيانات دقيقة. 

كما تفتح هذه المنظومة المجال أمام الشركات الناشئة لتطوير حلول مبتكرة، مما يعزز التنافسية ويخلق فرص عمل جديدة.

ورغم هذه المزايا، لا يخلو هذا القطاع من تحديات، أبرزها قضايا أمن البيانات والخصوصية، إضافة إلى الفجوة الرقمية بين الدول المتقدمة والنامية.

ومع ذلك، فإن الاتجاه العام يشير إلى أن الصحة الرقمية ستصبح ركيزة أساسية في الأنظمة الصحية المستقبلية، ما يجعل الاستثمار فيها ضرورة استراتيجية لضمان استدامة الخدمات الصحية وتحسين جودة الحياة عالميًا.

*صلاح الدين كريمي 

share