'نوار عشية' لخديجة المكشّر.. حين يزهر الشّباب ثمّ ينطفئ
قدّمت المخرجة التونسية خديجة المكشّر أمس الجمعة 2 جانفي 2026 بقاعة الكوليزي بالعاصمة، العرض التونسي الأوّل لفيلمها الرّوائي الطّويل الأوّل 'نوار عشيّة' بحضور طاقم العمل وأبطاله الذين كانوا متشوّقين لاكتشاف ردّة فعل الجمهور التونسي بعد عرض الفيلم لأوّل مرّة في النّسخة الأخيرة لمهرجان القاهرة السّينمائي وتتويجه بعدها بجائزة أفضل إخراج في النّسخة 21 للمهرجان الدولي للسينما والهجرة بأغادير (المغرب) وتوّج بطل العمل الممثّل الجزائري إلياس القادري بجائزة لجنة التحكيم لأفضل دور رجالي.
ويشكّل فيلم 'نوار عشية' (103 دقائق) للمخرجة التونسية خديجة المكشر أول تجربة روائية طويلة في مسيرتها، بعد سلسلة من الأفلام القصيرة التي عرفت بحساسيتها تجاه الهامش الاجتماعي والإنساني ويكرّس هذا العمل انشغال المخرجة بسؤال الشباب، والمصير، والبحث عن معنى النجاة داخل واقع مأزوم، عبر حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها مشحونة بدلالات سياسية واجتماعية عميقة انطلاقا من العنوان الذي لا يخلو من الرّمزيّة فالنّوّار هو إشارة إلى الشّباب خلق ليزهر لكنّه يذبل وينطفئ في واقع لا يحتويه ولا يرعاه أو يثمّن وجوده.
الملاكمة استعارة اجتماعية
وتدور أحداث الفيلم في حي هلال الشعبي في العاصمة تونس، أين يدير 'دجو' صالة ملاكمة قديمة، شبه منسية، تشبه أصحابها وروّادها: مكان متعب، لكنه عنيد في مقاومة الاندثار. وفي هذا الفضاء المغلق، يلتقي 'دجو' بالشاب 'يحيى'، الذي يمتلك موهبة فطرية في الملاكمة، تلفت انتباه المدرب العجوز، فيراه مشروع بطل قادر على استعادة أمجاد الحلبة المهمّشة، وربما إنقاذ نفسه من الاحباط الذي يغرق فيه. غير أن 'يحيى' لا يرى في الملاكمة خلاصا نهائيا فطموحه الحقيقي يتجه إلى الضفة الأخرى من المتوسط، حيث يختزل جيل كامل حلمه في الهجرة غير النظامية، بوصفها المخرج الوحيد من بلد يشعرون أنه ضاق بأحلامهم. وبين رغبة 'دجو" في إنقاذ تلميذه عبر الرياضة والانضباط، وإصرار 'يحيى' على تحويل موهبته إلى وسيلة لجمع المال والهرب عبر البحر، يتشكّل الصراع المركزي للفيلم.
ولا تقدّم الملاكمة في 'نوار عشية' رياضة تنافسية فحسب، بل استعارة رمزية للحياة في تونس المعاصرة: ضربات متتالية، قواعد غير عادلة، ونزال غير متكافئ مع واقع اقتصادي واجتماعي قاس. فالحلبة، مثل الوطن، تمنح وعودا بالانتصار، لكنها في كثير من الأحيان تفرض هزائم صامتة وهذا ما يقوله المعلّم 'دجو' لتلميذه 'يحيى': 'الحياة فيها الرّبح والخسارة'.
ويندرج الفيلم ضمن سياق سينمائي عربي ومغاربي واسع جعل من الهجرة غير النظامية موضوعا مركزيا ، خصوصا بعد 2011، حين تحوّل البحر الأبيض المتوسط إلى مقبرة مفتوحة لأحلام الشباب. غير أن المخرجة خديجة المكشّر لا تتعامل مع الهجرة باعتبارها حدثا خارجيا، بل خيارا داخليا يولد من تراكم الإحباطات اليومية: العنف الأسري، الفقر، غياب الأفق، وانسداد السلم الاجتماعي في عمل يمزج بين الواقعية القاسية والخيال الرّمزي وهو خطّ إخراجيّ واضح تواصل خديجة المكشّر اتّباعه في عملها الطويل الأوّل.
وشارك في بطولة العمل مجموعة من الممثلين من تونس والمغرب والجزائر جمعتهم المخرجة حول قضيّة واحدة ليتكلّموا بلهجة واحدة 'العامية التونسية' ليصل صوتهم إلى العالم ومن بينهم بحري الرحالي، فاطمة سعيدان، يونس مقري، إلياس القادري، معز التومي، وأمير التليلي المعروف بـ "سلام مسيو" وقدّم أغنية جينيريك الفيلم 'الرابر' التونسي كريم 'كوكي' وحملت عنوان الفيلم 'نوّار عشية'.
وبدأت خديجة المكشر مسيرتها المهنيّة في الأفلام الوثائقيّة وأفلام الخيال والإعلانات وإخراج البرامج التلفزيونية بعد إنهائها دراسات الأفلام في باريس وعملت منتجة وأسّست شركة سمعية بصرية، وسبق لها أن أخرجت 3 أفلام قصيرة وهي "ليلة القمرة العمياء" و"بلبل" و''رأس العام'' شاركت في عدّة مهرجانات في تونس والعالم. وقد أنتجت أوّل فيلم صوّر بعد الثورة في تونس تحت عنوان "باب الفلّة" من إخراج زوجها مصلح كريّم.
الواثق بالله شاكير