languageFrançais

25 عامًا على أحداث 11 سبتمبر.. كيف غيّرت الاعتداءات العالم؟

في 11 سبتمبر 2001، لم تكن الولايات المتحدة وحدها على موعد مع واحدة من أكثر اللحظات دموية في تاريخها الحديث، بل كان العالم بأسره أمام نقطة تحوّل ستعيد تشكيل مفهوم الأمن والحرب والعلاقات الدولية لعقود.
فقد أسفرت الاعتداءات التي نفذها تنظيم القاعدة عن مقتل 2,977 شخصًا، بينهم ضحايا في مركز التجارة العالمي والبنتاغون وموقع تحطم الطائرة الرابعة في بنسلفانيا، إضافة إلى آلاف المصابين. 
وبعد ربع قرن، لم تعد آثار ذلك اليوم محصورة في ذاكرة الناجين وعائلات الضحايا، بل امتدت إلى الاقتصاد والسياسة والتشريعات والسفر والحريات العامة والعلاقات بين الولايات المتحدة والعالم.

من "الحرب على الإرهاب" إلى حروب طويلة

بعد أيام قليلة من الاعتداءات، أعلنت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش ما عُرف بـ"الحرب على الإرهاب"، لتبدأ في أكتوبر 2001 العملية العسكرية في أفغانستان بهدف إسقاط نظام طالبان وتفكيك تنظيم القاعدة.
لكن الحرب لم تتوقف عند أفغانستان. ففي مارس 2003، غزت الولايات المتحدة العراق، في حرب ارتبطت بامتلاك بغداد المزعوم لأسلحة دمار شامل، وهي أسلحة لم تُعثر عليها لاحقًا.
وبذلك تحولت اعتداءات استغرقت ساعات إلى حروب استمرت سنوات، وامتدت آثارها إلى مناطق واسعة من الشرق الأوسط وجنوب آسيا.
وتشير تقديرات مشروع Costs of War في جامعة براون إلى أن الحروب التي أطلقتها الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر كلّفت واشنطن نحو 8 تريليونات دولار خلال العقدين الأولين، فيما تجاوز عدد الوفيات المرتبطة بهذه الحروب 900 ألف شخص بصورة مباشرة وغير مباشرة وفق نطاق الدراسة.
ولم تكن الكلفة بشرية ومالية فقط، فقد ساهمت الحروب الطويلة والتدخلات العسكرية في إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي، وفي صعود تنظيمات جهادية جديدة، أبرزها تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، فيما استمرت فروع القاعدة في مناطق مختلفة من العالم.

أمريكا.. دولة أكثر أمنًا أم أكثر مراقبة؟

في الداخل الأمريكي، أحدثت 11 سبتمبر تحولًا جذريًا في مفهوم الأمن القومي. ففي أعقاب الاعتداءات، أُقر قانون باتريوت الذي وسّع صلاحيات أجهزة الدولة في مجال مكافحة الإرهاب وجمع المعلومات والمراقبة.
كما أُنشئت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية عام 2003 في أكبر عملية إعادة تنظيم مؤسساتي للأمن الفيدرالي منذ عقود.
وأصبح السفر الجوي أحد أبرز المجالات التي تغيّرت بعد 11 سبتمبر. فعمليات التفتيش والإجراءات الأمنية التي أصبحت جزءًا عاديًا من تجربة المسافر اليوم لم تكن بهذا الشكل قبل الاعتداءات.
وبمرور الوقت، امتد الجدل إلى حدود التوازن بين الأمن والخصوصية والحريات المدنية، خصوصًا مع توسع برامج المراقبة والاستخبارات.
وبعد 25 عامًا، تظهر استطلاعات الرأي أن المخاوف الأمريكية نفسها تغيرت.
ففي استطلاع Reuters/Ipsos أُجري في أوت 2026، اعتبر 33% من الأمريكيين التطرف الداخلي أكبر تهديد لأمن البلاد، مقابل 20% رأوا أن الإرهاب القادم من الخارج هو التهديد الأكبر. كما عارض 65% المراقبة الداخلية من دون مذكرة قضائية.

فاتورة اقتصادية امتدت لعقود

لم تتوقف فاتورة 11 سبتمبر عند الخسائر المباشرة التي لحقت بنيويورك وقطاع الطيران والأسواق المالية.
فالإنفاق على الحروب ومكافحة الإرهاب والأمن الداخلي أصبح جزءًا مستمرًا من السياسة المالية الأمريكية.
وتشير تقديرات جامعة براون إلى أن تكلفة الحروب التي أعقبت 11 سبتمبر وصلت إلى 8 تريليونات دولار خلال أول 20 عامًا، وهي أموال شملت العمليات العسكرية ورعاية المحاربين القدامى وغيرها من النفقات المرتبطة بالحروب.
كما شهد الإنفاق العسكري الأمريكي تحولًا كبيرًا على مدى السنوات التالية. ووفق تحليل حديث لرويترز، ارتفع الإنفاق العسكري السنوي من نحو 280 مليار دولار قبل 2001 إلى أكثر من 900 مليار دولار في السنوات الأخيرة.
وهكذا أصبحت 11 سبتمبر جزءًا من قصة أكبر تتعلق بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق الأمريكي، من الاستثمار المدني إلى الدفاع والأمن ومكافحة الإرهاب.

نيويورك.. مدينة تغيّرت إلى الأبد

في نيويورك تحديدًا، أصبح ما قبل 11 سبتمبر وما بعده خطًا فاصلًا في تاريخ المدينة. انهار برجا مركز التجارة العالمي، ودُمر مجمع كامل في منطقة مانهاتن السفلى، فيما تعرض آلاف الأشخاص في موقع الهجمات ومحيطه للمواد السامة والغبار الناتج عن انهيار المباني.
ولم تنته التداعيات الصحية بانتهاء عمليات الإنقاذ، فقد واصل العديد من رجال الإنقاذ والسكان السابقين في المنطقة مواجهة أمراض مرتبطة بالتعرض للغبار والمواد السامة.
واليوم يخلّد النصب التذكاري في موقع مركز التجارة العالمي أسماء 2,977 ضحية، بينما تستمر برامج الرعاية والتعويض للمتضررين والناجين.

العالم العربي والإسلامي دفع جزءًا من الثمن

كان من أبرز تداعيات 11 سبتمبر أيضًا تغير صورة المسلمين والعرب في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي.
فالحرب على الإرهاب جعلت قضايا التطرف والهجرة والأمن والاندماج الاجتماعي في صدارة النقاش السياسي في الولايات المتحدة وأوروبا لسنوات طويلة.
وفي الوقت نفسه، واجهت جاليات مسلمة في الولايات المتحدة تدقيقًا أمنيًا وضغوطًا اجتماعية متزايدة، بينما ارتبطت أحداث دولية لاحقة، من حربي أفغانستان والعراق إلى صعود داعش، بالإرث السياسي والأمني الذي ولد بعد 11 سبتمبر.
لكن المفارقة أن الولايات المتحدة نفسها باتت تواجه اليوم مخاوف داخلية مختلفة. فبعد أن كان الإرهاب الدولي في صدارة المخاوف الأمريكية، أصبحت التهديدات المرتبطة بالتطرف الداخلي والعنف المسلح أكثر حضورًا في وعي الأمريكيين.

أوروبا أيضًا دخلت عصرًا أمنيًا جديدًا

لم تتوقف تداعيات 11 سبتمبر عند الحدود الأمريكية، فالهجمات التي وقعت لاحقًا في مدريد ولندن وباريس وبروكسل وغيرها دفعت الدول الأوروبية إلى تعزيز التعاون الاستخباراتي وتبادل المعلومات وتشديد الإجراءات الأمنية.
كما أصبحت مراقبة الحدود والسفر والاتصالات والتمويل المرتبط بالإرهاب جزءًا أساسيًا من السياسات الأمنية الأوروبية.
وبذلك انتقل العالم من مكافحة مجموعات مسلحة محدودة إلى بناء منظومة عالمية لمكافحة الإرهاب، تقوم على التعاون الاستخباراتي والرقابة المالية والأمن الإلكتروني والمراقبة الحدودية.

هل انتصرت أمريكا في "الحرب على الإرهاب"؟

بعد ربع قرن، لا توجد إجابة بسيطة، فمن جهة، نجحت الولايات المتحدة في تفكيك جزء كبير من البنية القيادية لتنظيم القاعدة، وقتل زعيمه أسامة بن لادن عام 2011، كما لم تشهد الأراضي الأمريكية هجومًا بحجم 11 سبتمبر منذ ذلك التاريخ.
لكن من جهة أخرى، جاءت الحروب الطويلة بتكاليف بشرية ومالية وسياسية هائلة، وظهرت تنظيمات جديدة وتوسعت النزاعات في مناطق مختلفة.
كما أن الحرب على الإرهاب أثارت جدلًا واسعًا حول التعذيب والاعتقال السري وغوانتانامو والمراقبة الجماعية، وهي ملفات تركت أثرًا عميقًا على صورة الولايات المتحدة عالميًا.

25 عامًا.. وما الذي بقي؟

ربما تكون أكبر نتيجة لاعتداءات 11 سبتمبر أنها غيّرت تعريف العالم للأمن.
قبل 2001، كان الإرهاب يُنظر إليه أساسًا باعتباره تهديدًا أمنيًا يمكن احتواؤه. بعد 11 سبتمبر، أصبح الإرهاب قضية تعيد تشكيل السياسة الخارجية والميزانيات العسكرية والتشريعات وحركة السفر والعلاقات الدولية.
وبعد 25 عامًا، يبدو أن بعض آثار ذلك اليوم بدأت تتراجع، فيما بقيت أخرى راسخة.
فجيل كامل من الأمريكيين وُلد بعد 11 سبتمبر ولم يعش لحظة انهيار البرجين، لكنه يعيش في عالم تشكلت مؤسساته الأمنية وسياساته الخارجية إلى حد كبير بسبب تلك اللحظة.
واليوم، في الذكرى الخامسة والعشرين، لا تُستعاد 11 سبتمبر باعتبارها مأساة أمريكية فقط، بل باعتبارها حدثًا أعاد رسم جزء كبير من النظام الدولي، ثلاث ساعات تقريبًا كانت كافية لتغيير مسار ربع قرن من التاريخ.


المصدر: وكالات+ تقارير دولية ومراجع ومقالات أمريكية نشرت هذا الشهر

*صلاح الدين كريمي 
 

share