موجة حر استثنائية تحرم أوروبا صيفها المنعش.. فما أسبابها؟
تشهد أوروبا موجة حرّ شديدة القوة والامتداد، وهي تُعدّ من أبرز موجات الحر التي عرفتها القارة خلال السنوات الأخيرة. وتأتي هذه الموجة بعد أقل من شهر على موجة حرّ أولى وُصفت بغير المسبوقة، لتؤكد تواتر الظواهر المناخية المتطرفة في القارة الأوروبية. وقد دفعت الارتفاعات القياسية في درجات الحرارة السلطات إلى وضع مناطق عديدة في أنحاء أوروبا تحت مستوى التحذير الأحمر، وسط توقعات باستمرار موجة الحر إلى نهاية الأسبوع الجاري.
وتتسم هذه الموجة ليس فقط بارتفاع درجات الحرارة، بل كذلك بطول مدتها واتساع رقعتها الجغرافية. فقد سُجلت درجات حرارة غير مسبوقة في عدد من المدن الأوروبية، فيما أعلنت هيئة الأرصاد الفرنسية تسجيل أعلى معدلات حرّ على الإطلاق في بعض المناطق. كما سجلت المملكة المتحدة، الأربعاء، أعلى درجة حرارة لشهر جوان في تاريخها.
عشرات الوفيات المرتبطة بموجة الحر
ولم تقتصر تداعيات هذه الظاهرة على الأرقام القياسية، بل امتدت إلى الجانب الصحي. فقد تسببت موجات الحر المتكررة في أوروبا خلال السنوات الأخيرة في ارتفاع عدد الوفيات المرتبطة بالحرارة، حيث تم تسجيل أكثر من 200 ألف وفاة في القارة خلال السنوات الأربع الأخيرة وفق إحصائيات منظمة الصحة العالمية.
وخلال الموجة الحالية وحدها، أعلنت إسبانيا تسجيل أكثر من 200 حالة وفاة مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، وسط تحذيرات من المخاطر التي تواجهها الفئات الأكثر هشاشة، خاصة كبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة.

أوروبا تحت تأثير القبّة الحرارية
ويرى علماء المناخ أن ما يحدث في أوروبا لا يمكن فصله عن ظاهرة الاحتباس الحراري الناتجة عن ارتفاع انبعاثات الغازات الدفيئة.
وقالت أستاذة في علوم المناخ إن الوصول إلى هذه المستويات من الحرارة كان في السابق أمرا استثنائيا حتى في ذروة الصيف، معتبرة أن الموجة الحالية تحمل "بصمات تغير المناخ".
ومن أبرز التفسيرات الجوية لهذه الظاهرة ما يعرف بـ"القبة الحرارية"، وهي حالة من الاستقرار الجوي تؤدي إلى احتجاز كتلة ضخمة من الهواء الساخن فوق منطقة معينة لفترة طويلة.
وتتمركز حالياً قبة حرارية فوق القارة الأوروبية، ساهمت في تثبيت الأجواء الحارة ومنعت تبادل الكتل الهوائية.

وأوضح خبير الأرصاد الفرنسي سيباستيان ليا أن وجود كتلة من الهواء شديد البرودة في طبقات الجو العليا قبالة سواحل البرتغال تعمل بمثابة "مضخة حرارية"، تدفع بالهواء الساخن القادم من شمال إفريقيا نحو أوروبا، في وقت يزيد فيه المرتفع الجوي المستقر من حدة الوضع.
كما يربط الخبراء هذه الموجات بتغيرات طرأت على التيار النفاث، وهو تيار هوائي سريع في طبقات الجو العليا يؤثر على حركة الطقس في أوروبا. وتشير دراسات حديثة إلى أن هذا التيار أصبح أكثر عرضة للانقسام إلى فرعين لفترات أطول، ما يؤدي إلى بقاء أنماط الطقس المتطرف ثابتة فوق مناطق معينة، وبالتالي استمرار موجات الحر لفترات أطول، خصوصاً في غرب القارة.
الحرارة في أوروبا ترتفع بوتيرة أسرع
وتعود معاناة أوروبا من هذه الظواهر أيضاً إلى عوامل جغرافية وبنيوية. فالقارة الأوروبية ترتفع حرارتها بوتيرة أسرع من العديد من مناطق العالم، بسبب قربها من القطب الشمالي، وهي المنطقة التي تشهد أسرع معدلات الاحترار عالميا.
كما أن العديد من المباني الأوروبية صُممت تاريخيا للاحتفاظ بالحرارة لمواجهة فصول الشتاء الباردة، وليس لتبريد المساحات الداخلية، في وقت لم يكن فيه استخدام مكيفات الهواء واسع الانتشار كما هو الحال في مناطق أخرى.
ومع تزايد تواتر موجات الحر، أصبحت هذه الظاهرة حاضرة بقوة في النقاش السياسي والاجتماعي الأوروبي، حيث دفعت موجة الحر الحالية رئيسة حزب الخضر إلى الدعوة لإقرار "عطلة بيئية" لتقليل التعرض للحرارة الشديدة.

موجات حرّ أكثر تكرارا وحدّة
وفي ظل استمرار التغير المناخي، يحذر العلماء من أن السنوات المقبلة قد تشهد موجات حر أكثر تكرارا وشدة وطولا.
وتشير التوقعات إلى أن العام الحالي قد يكون من بين أكثر الأعوام حرارة منذ بدء تسجيل درجات الحرارة، ما يضع أوروبا أمام تحديات متزايدة تتعلق بالصحة العامة، والبنية التحتية، والقدرة على التكيف مع مناخ أكثر تطرّفا.
• إعداد شكري اللّجمي