بعد إعلانه هدنة إضافية.. ماهي ورقة ترامب المقبلة في الشرق الأوسط؟
بين بوادر إنفراج وتأزّم يراوح المشهد مكانه في الشرق الأوسط بعد نحو شهر من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران وما أعقبه من ردّ إيراني استهدف جميع دول المنطقة تقريبا من حلفاء الولايات المتحدة وحيث تتواجد أهم قواعدها العسكرية.
هذه الحرب التي وصفها العديد من الخبراء العسكريين والملاظين بـ "الخطأ الإستراتيجي" الذي ارتكبه دونالد ترامب، تبدو مآلاتها صعبة التكهّن..
ولكن ما هوّ مؤكّد هو الرغبة الأمريكية الإسرائيلية في القضاء على ما يعتبرونه التهديد الإيراني، وخاصّة من الجانب الإسرائيلي الذي لا يخفي رغبته في الإستفراد بالكلمة العليا في الشرق الأوسط وبسط نفوذه إمّا ديبلوماسيا أو عسكريا.
في خضمّ هذا المشهد المعقّد، والذي مثّل التهاب أسعار النفط أحد تداعياته الآنية على العالم برمته، ارتفعت حالة الارتباك وتغذّت المخاوف من تصعيد أكبر مع ما تداولته وسائل إعلام أمريكية حول اعتزام واشنطن إرسال 10 آلاف جندي من القوات البرية، وتهديد إيران بإشعال جبهة القتال في باب المندب، أحد ثالث أهمّ المعابر البحرية في العالم والذي يربط بين ثلاث قارات.
الهدنة ..مناورة جديدة أم فرصة لإنهاء الحرب؟
اتّجه عديد الملاحظين إلى اعتبار أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأجيل موعد تدمير منشآت الطاقة الإيرانية لمدة 10 أيام، وهو التأجيل الثاني بعد مهلة أولى بـ 48 ساعة وثانية بخمسة أيام، قد تحمل معها بوادر لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط والتي كانت لها نتائج كارثية على المستويين الإقتصادي والإنساني، في ظلّ وجود مقترح أمريكي عرض على إيران بوساطة دولية يتألّف من 15 نقطة.
لكن هذه التأويلات بشأن إمكانية إنهاء الحرب، تصطدم باعتزام واشنطن إرسال 10 آلاف جندي قتالي إضافي إلى منطقة الشرق الأوسط وهو ما يفتح الإحتمالات على دخول الصراع مرحلة جديدة باجتياح بري، خاصة أنّ إعلان إرسال قوات برية إضافية يأتي بعد أيام من حديث دونالد ترامب عن احتمال نشر قوات برية لاحتلال جزيرة خرج، التي تُعد مركز نفط استراتيجي لإيران.
ويرى ملاحظون أنّ المهلة الجديدة التي أعلنها ترامب لإيران، تمثّل فرصة لترامب للقيام بالترتيبات الضرورية لدخول مرحلة جدية من المواجهة العسكرية، خاصة مع تمسّك إسرائيلي واضح بالذهاب إلى النهاية في تحقيق الأهداف المعلنة منذ بدء الصراع في القضاء على النظام الإيراني ومقدراته العسكرية بالكامل.
كما أنّ إعلان القيادة الإيرانية عدم الرضوخ للتهديدات واستعدادها لمختلف السيناريوهات المحتملة وتوقعاتها بامتداد أمد الحرب إلى أشهر يعزّز هذه القراءة.
ويبدو ذلك أكثر وضوحا مع تهديد إيران بإشعال الجبهة القتالية في باب المندب عبر حلفائها الحوثيين في اليمن، مع ما يمثّله هذا المعبر الإستراتيجي في حركة الملاحة التجارية البحرية المتصل بالبحر الأحمر وقناة السويس، وتعطيل حركة التجارة العالمية وخاصة شحنات النفط المتضررة أصلا بإغلاق إيران لمضيق هرمز.
ويعدّ إرسال قوات برية إضافية إلى الشرق الأوسط إشارة أخرى إلى أن عملية برية أمريكية في إيران يجري الإعداد لها بجدية.
كما أنّ دعوة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الدول التي لها مصلحة في مضيق هرمز للتحرك لحل المشكلة، باعتبار أن الولايات المتحدة ليست بحاجة للنفط المار عبر مضيق هرمز، تصبّ في هذا الإتجاه.
شكوك إيرانية
جملة هذه المعطيات التي ترجّح تأجّج الصراع في الشرق الأوسط تنضاف إليها عدم موافقة المسؤولين الإيرانيين على عقد اجتماع رفيع المستوى مع الولايات المتحدة، ولديهم على ما يبدو شكوكا في أن يكون التحرك الدبلوماسي الأمريكي مجرد خدعة أخرى، بعد أن هاجم الكيان الإسرائيلي والولايت المتحدة الأمريكية إيران حينما كانت المفاوضات جارية بين الطرفين بوساطة عمانية.
تأتي هذه التطوّرات التي تعزّز تصاعد الصراع بدلا من تهدئته، تتزامن مع ما أشارت إليه مصادر أمريكية بشأن إستعداد ترامب لتصعيد الموقف إذا لم تسفر المحادثات مع إيران عن نتائج ملموسة وفقا لرؤيته ورغبته.
الأهمية الاستراتيجدية لمضيق باب المندب

• صورة توضيحية مولدة بالذكاء الاصطناعي
وفي حال اشتعلت جبهة القتال في مضيق باب المندب، الذي يمرّ عبره حوالي ربع الشحن العالمي (المندب - البحر الأحمر - قناة السويس)، فإنّ تداعياته ستكون كارثية على سلاسل الإمداد العالمية ليس في ما يتعلّق بالنفط فقط بل أيضا بشحنات الأغذية وغيرها من المنتجات الحيوية.
وازدات أهمية مضيق باب المندب الواقع بالمدخل الجنوبي للبحر الأحمر موقعا هاما بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، واكتشاف أكبر مخزون للبترول في الشرق الأوسط.
ويمثّل إغلاقه، ولو مؤقتا، زيادة كبيرة في تكاليف الطاقة الإجمالية وأسعارها عالميا.
ويعتبر مضيق باب المندب نقطة إلتقاء حاسمة بالنسبة لحركة التجارة الدولية، فمعظم التجارة مابين كل من الإتحاد الأوروبي من جهة و الصين، واليابان و الهند و بقية آسيا من جهة أخرى تمر عبره.
ويحتلّ مضيق باب المندب المرتبة الثالثة عالميا، بعد مضيقي ملكا وهرمز، حيث يمر عبره يوميا حوالي 3.5 مليون برميل نفط، كما تمرّ عبره 21 ألف سفينة سنويا، أي ما يوازي 10% من الشحنات التجارية العالمية.
ويعدّ رأس الرجاء الصالح بديلا لهذا المضيق لكنّ هذا البديل يمثّل عبئا ثقيلا على حركة التجارة العامية من حيث بعد المسافة والتكلفة المادية.
شكري اللّجمي