languageFrançais

بين مشقة التنقل وضعف الإمكانيات..واقع نساء القيروان مع الصحة الإنجابية

تقف في الصف تنتظر دورها لإجراء الفحص بالإيكو المورفولوجي (التصوير بالموجات فوق الصوتية لهيئة الجنين)، ويبدو التعب جليا على وجهها، لاسيما أنّها حامل في شهرها الخامس.. تحمل في يدها ملفها الطبي، وترمق بعينيها الشاحبتين بقية النساء اللاتي جئن بدورهن من مختلف مناطق ولاية القيروان.

فضّلت "أحلام" (اسم مستعار) عدم الكشف عن وجهها للحفاظ على خصوصيتها، واكتفت بالحديث عن مشوارها من إحدى المناطق الريفية بمعتمدية بوحجلة إلى مدينة القيروان لمتابعة حملها والاستفادة من خدمات الصحة الإنجابية. وتعمل أحلام، رغم حملها في شهرها الخامس، في القطاع الفلاحي مقابل أجر يومي لا يتجاوز 20 دينارا، لكنّها في هذا اليوم اضطرت إلى التغيّب عن العمل من أجل إجراء الفحص.

انطلقت رحلتها منذ الفجر، حيث مشت أكثر من كيلومتر عبر مسلك فلاحي للوصول إلى الطريق المعبد، واستقلت سيارة النقل الريفي لتصل إلى بوحجلة، ثمّ سيارة أجرة باتّجاه مدينة القيروان. وهناك، انضمت إلى الواقفات في انتظار دورهن بمركز الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري لإجراء الفحص بالتصوير بالصدى. وفي هذا السياق، تذمّرت أحلام من غياب وسائل النقل العمومي وصعوبة التنقل، مُؤكّدة على أنّ الوصول من منطقتها الريفية إلى مدينة القيروان للحصول على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية يمثّل مشقة إضافية، خاصّة بالنسبة للحوامل.

فرق متنقلة لتقريب خدمات الصحة الجنسية والإنجابية من النساء في المناطق الريفية

أكّد المندوب الجهوي للديوان الوطني للأسرة والعمران البشري بالقيروان، عبد الله الجلاصي، على أنّ سياسة الديوان تقوم على تقريب خدمات الصحة الجنسية والإنجابية من المتساكنين، خاصّة بالمناطق الداخلية والريفية، من خلال اعتماد الفرق المتنقلة والقوافل الصحية المنظمة. وأوضح أنّ نحو 70 بالمائة من متساكني ولاية القيروان يقطنون بالمناطق الريفية، وهو ما يجعل عددا من النساء يواجهن صعوبات في التنقل للحصول على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، خاصة في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة.

وأشار إلى أنّ الديوان يوفر حاليا فريقين متنقلين، الأول بمعتمدية نصر الله والثاني بمعتمدية حاجب العيون، إلى جانب ثلاثة فرق متنقلة تنطلق من مدينة القيروان وتتوجه إلى مراكز الصحة الأساسية بمعتمديات الوسلاتية وحفوز والشبيكة وبوحجلة.

وينظم الديوان قوافل صحية بمراكز الصحة الأساسية وبالتجمعات السكنية التي تفتقر إلى مثل هذه المراكز، بهدف الوصول إلى أكبر عدد ممكن من النساء وتوفير خدمات مراقبة الحمل والتنظيم العائلي، إضافة إلى التوعية والتحسيس في مجال الصحة الجنسية والإنجابية.

وبيّن الجلاصي أنّ صعوبات التنقل تمثل عائقا حقيقيا أمام عدد من النساء، وخاصة العاملات في القطاع الفلاحي، باعتبار أن توجه المرأة إلى المستشفى لإجراء الفحوصات أو التحاليل قد يكلفها خسارة يوم عمل، وهو ما يمثل عبئا إضافيا بالنسبة للنساء اللاتي يعشن أوضاعا اجتماعية واقتصادية هشة.

ودعا المندوب الجهوي إلى إعادة استئناف أو تفعيل نشاط المصحات المتنقلة بولاية القيروان، بما يسمح بتوفير أعوان وفرق صحية تتوجه مباشرة إلى التجمعات السكنية، مشيرا إلى أن الولاية تضم أكثر من 130 مركز صحة أساسية.

وأكّد على أنّ مزيد دعم الفرق والقوافل والمصحات المتنقلة من شأنه أن يساهم في تجاوز إشكال التنقل وضمان وصول خدمات الصحة الجنسية والإنجابية إلى النساء، خاصة بالمناطق الريفية والنائية.

صعوبات مُتعدّدة تُواجه نساء المناطق الريفية في الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية

من جهتها، أكّدت الأخصائية النفسية بالديوان الوطني للأسرة والعمران البشري بالقيروان، سمية حمدي، على أنّ المرأة التي تعيش في الوسط الريفي، وخاصّة بالمناطق النائية والمعزولة والبعيدة عن مرافق الصحة الأساسية، تواجه عدة صعوبات في الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية. وأوضحت أنّ الفحوصات والتحاليل والكشف والعيادات الطبية تتم أساسا بالمراكز الصحية بالمناطق الحضرية والمستشفيات والعيادات التكميلية المنظمة، وهو ما يفرض على النساء التنقل بصفة متكررة، وأحيانا يوميا، لاستكمال ملفاتهن أو إجراء الفحوصات ومتابعة حالاتهن الصحية.

وبيّنت أنّ النقل يمثل إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه النساء في المناطق الريفية، في ظل غياب أو نقص وسائل النقل العمومي، حيث تضطر المرأة إلى مغادرة منزلها منذ ساعات الفجر والانتظار لساعات في سيارات الأجرة أو وسائل النقل الريفي، وفي بعض الحالات يرفض السائقون الانطلاق بدعوى عدم اكتمال عدد الركاب، ما قد يجبر المرأة على العودة إلى منزلها دون الحصول على الخدمة الصحية التي قصدت من أجلها.

وأضافت أنّ النساء في المناطق الريفية يواجهن صعوبات أخرى مرتبطة بالظروف المناخية، خاصة ارتفاع درجات الحرارة، فضلا عن تدني الأجور، خاصّة بالنسبة للعاملات في القطاع الفلاحي، مشيرة في هذا الخصوص إلى أنّ العاملة الفلاحية قد تتردّد في التوجه إلى المستشفى أو المركز الصحي للحصول على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، خوفا من خسارة عملها أو أجر يوم كامل، وهو ما يجعل الظروف الاقتصادية عاملا إضافيا يحد من قدرتها على متابعة وضعها الصحي.

وحذّرت من أنّ مثل هذه الصعوبات قد تؤدي إلى عدم استكمال النساء لملفاتهن الصحية، خاصة خلال فترة الحمل وبعد الولادة، فضلا عن إمكانية عدم متابعة بعض الأمراض المنقولة جنسيا، داعية إلى تكاثف جهود مختلف المتدخلين لتجاوز هذه الإشكاليات وضمان تمتع النساء في المناطق الريفية والنائية بخدمات الصحة الجنسية والإنجابية في ظروف ملائمة وبشكل يضمن حقهن في الرعاية الصحية.

خليفة القاسمي 

* صورة توضيحية تمّ إنشاؤها باعتماد تقنية الذكاء الاصطناعي

share