الفخّار ذاكرة حيّة تروي عراقة الوطن القبلي وتتحدّى الحداثة
تعرف مدينة نابل بصناعة الفخار منذ أجيال متعاقبة، حتى بات يشكل هوية بصرية لجهة الوطن القبلي.
ساحة "الجرة" في نابل، "مثرد" الفخار وسط المدينة، مجسم الحرفي في مدخل المدينة الشمالي، وانتشار محلات بيع أواني الفخار وأصص النباتات، وصولاً إلى تزويق الجدران والذكرى التي يحملها السائح في صورة أو في آنية.. كلها مفردات تشكلت من تاريخ المدينة وثبّتت رمزيتها وهويتها. وفي نابل، لا يُصنع الفخار من طين وماء فقط، بل هو ذاكرة وذكرى، صناعة الأجداد وتاريخ تتوارثه الأجيال، هوية وفن يتجدد ويصمد في وجه متغيرات عدة ويشكّل جزءاً من حياتهم اليومية.
كاميرا "موزاييك" تجولت في ورشة الحرفي محمد الغربي، حيث يقف "المعلم" وصانعان وابنه سليم الغربي. بيد الصانع يُجهز الطين ويوضع في قالب وتتلقفه يد العم محمد فتعيد تشكيله على دولاب العمل، لتغادر الآنية دفء الأنامل العريقة وتتصدر الرفوف حتى تجف، ثم تُطهى في فرن يمنحها صلابة تواجه استعمالات متعددة. وبيد الابن سليم، الأكاديمي وأستاذ الفنون الجميلة، تُزوق بفن مبتكر لتقدم في صورة تحفظ عراقة فن الخزف وتواكب مقتضيات الحداثة.
وفي تصريحه لـ"موزاييك"، قال الحرفي محمد الغربي: "إن الورشة ورثتها عن أبي الذي ورثها عن أسلافه.. وهي من أقدم ورشات صناعة الفخار في نابل، ويعود ظهورها إلى حوالي سنة 1800".
وأضاف أن صناعة الفخار في نابل صامدة باختيار من العائلة التي انفتحت على أجيال لاحقة، مثل ابنه سليم الذي اختار دراسة الفنون الجميلة، فيسكب ما نهله من علوم الفنون على مهارة الأجداد، ليحفظ فخاراً لم يعد مجرد وعاء أو مربعات سيراميك، بل لوحات فنية لا غنى عنها في رفاهية المنازل أو المكاتب أو تزويق المداخل.
ووفق الحرفي محمد الغربي، يواجه قطاع الفخار غياباً للدعم الذي لو وُجد لارتقى به إلى مصاف التراث الإنساني الدولي. ويستدرك: "رغم دخول منتجات حديثة لحياتنا اليومية كالبلاستيك وغيرها، يشهد قطاع الفخار عودة قوية وإقبالاً متزايداً نظراً لقيمته الصحية في حفظ الماء والزيت مثلاً".
أما سليم الغربي، الشاب الأكاديمي، فأكد أن صناعة الفخار دخلت مجال العلاج النفسي، حيث بدأت تشهد إقبالاً من فئات عمرية مختلفة كالأطفال والمتقاعدين، نظراً لما يهبه "أديم الأرض" من راحة نفسية وعصبية لمن يطوّعه بأنامله، فضلاً عن علاج التوتر الناجم عن نسق الحياة الحديثة.
وشدّد سليم على شغفه بتطوير صناعة الفخار بروح أكاديمية تجعله يواكب مقتضيات السوق الحديثة. وعبر "الغربي الابن" عن ثقته في صمود هذه الصناعة رغم انتشار آلات الطباعة والميكنة، لأن بعض القطع لا يمكن إلا أن تُطوع باليد، ولا تنبثق إلا من أنامل تجيد تشكيل الأمل بصبر وتؤدة، تروي تراث أجيال متعاقبة وتؤرخ لحقبات زمنية مختلفة.
الفخار في نابل ليس مجرد وعاء للأكل أو للشرب أو لزخرفة ركن؛ هو وعاء لذاكرة حية تبحث عمن يثمنها ويحفظها من الاندثار، في ظل غلاء مستلزمات الصناعة وعزوف الشباب عن تعلم الحرفة إلا فيما ندر.
سهام عمار