languageFrançais

اللزمات بين الاستثمار وخفض كلفة الطاقة.. لكن أين الشركات التونسية؟

لمُواجهة العجز الطاقي المتزايّد الذي يُثقل ميزانية الدولة، أطلقت تونس خارطة طريق طموحة للفترة 2026-2030، تهدف إلى تحويل قطاع الطاقة من عبء مالي إلى مُحرّك للنمو الاقتصادي المستدام.

وبلغ العجز الطاقي سنة 2025 نحو 6.3 مليون طن مكافئ نفط، أيّ حوالي 65% من الحاجيات الوطنية، مما يفرض اعتماد حلول استراتيجية عاجلة وطويلة الأمد.

وترتكز هذه الخُطّة على تسريع تنفيذ مشاريع الطاقات المتجددة وتعزيز برامج النجاعة الطاقية، مستفيدة من الإمكانات الوطنية في هذا المجال، لتمكين القطاع من دعم التنمية الاقتصادية وتقليل الاعتماد على الواردات الطاقية. ومن بين أبرز الآليات المعتمدة لتحقيق هذه الأهداف، يبرز نظام "اللزمات" إلى جانب التراخيص والإنتاج الذاتي للطاقة.

ما المقصود بـ "اللزمة"؟

اللزمة هي عقد يمنح بموجبه شخص عمومي، يُعرف بـ"مانح اللزمة"، شخصًا آخر عموميًا أو خاصًا يُسمّى "صاحب اللزمة"، الحقّ لفترة محددة في إدارة مرفق عمومي أو استغلال أملاك ومعدات عمومية، مقابل مبلغ يدفعه المستفيدون وفق الشروط المحددة في العقد.

كما يمكن لصاحب اللزمة أن يُكلّف بإنشاء أو تعديل أو توسيع المباني والمنشآت والمرافق، أو اقتناء الممتلكات اللازمة لتنفيذ العقد. وقد يمنح العقد أيضًا صاحب اللزمة حق استخدام أجزاء من ممتلكات مانح اللزمة لتحقيق هذه الغايات.

وفي قطاع الطاقة، يُعتبر نظام اللزمات عقدًا طويل الأمد، تمنح بموجبه الدولة (مانح اللزمة) مستثمرًا خاصًا (صاحب اللزمة) مهمة بناء وتشغيل أو توسيع منشآت طاقة متجددة، مثل طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية، لفترة محددة. يلتزم المستثمر ببيع الطاقة المنتجة حصريًا للشبكة الوطنية، ما يسهم في تعزيز الاستقلال الطاقي وتقليل الانبعاثات الكربونية.

"بديل مربح"

وانتقد النائب بالمجلس ومقرّر لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة، محمد علي فنيرة، خلال استضافته في برنامج "ميدي إيكو" الخميس، الاعتماد المفرط على الغاز المستورد من الجزائر، مشدّدًا على ضرورة تجنّب الاتكال على أي طرف، حتى لو كان دولة شقيقة.

وأضاف فنيرة أنّ اعتماد نظام "اللزمات" يشكّل بديلًا مربحًا للدولة. وأضاف أنّ إنتاج الكهرباء اعتمادًا على الغاز المستورد من الجزائر يكلف تونس حوالي 450 مليم للكيلوواط الواحد، بينما عند الاعتماد على نظام "اللزمات"، وحتى مع احتساب تكلفة التوصيل، سيكون السعر في حدود 120 إلى 150 مليم فقط. وأضاف أنّ هذا التوجّه سيسمح أيضًا بتقليص الاعتماد على استيراد الغاز سنويا، ما يتيح تحقيق وفرة تقدّر بحوالي 2.2% من واردات الدولة التونسية، مقارنة بسنة 2024.

وأشار محمد علي فنيرة إلى تقدّم نحو ثلاث شركات أجنبية حاليًا. لكنّه، قال إنّ السؤال المطروح هنا هو: "لماذا غابت الأسماء التونسية؟"، مشيرًا إلى أنّ اللجنة سعت للاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية، بما في ذلك كوناكت ومنظمة الأعراف، لمحاولة الإجابة على هذا التساؤل. وبيّن أنّ خلاصة المسألة تكمن في حصول المستثمرين التونسيين على "اللزمات" بسبب ارتفاع نسبة الفائدة التي تصل إلى 7 أو 8%، وبالتالي فإنّ "الذهاب إلى الشركات أجنبية ليس اختيارا".

وفي هذا السياق، بيّن المختصّ في الطاقات المتجددة، عمر بن حسين باي، خلال استضافته في برنامج "ميدي إيكو"، الخميس، أنّ الدولة التونسية بدأت العمل على المُخطّط الشمسي (PST) منذ عام 2000. ويهدف هذا البرنامج إلى خفض انبعاثات قطاع الطاقة وتخفيف الاعتماد على الغاز، بالإضافة إلى خلق استثمارات اقتصادية جديدة في مجال الطاقات النظيفة، وضمان تزويد الدولة بالطاقة بأقل التكاليف. ومن هذا المنطلق، اتّجهت تونس نحو نظام "اللزمات"، المتاح للمستثمرين التونسيين والأجانب على حدّ سواء. 

وأضاف عمر بن حسين باي أنّ نظام "اللزمات" إلى جانب التراخيص، يقوم على مبدأ طلب العروض. وبخصوص نظام التراخيص، أوضح أنّ الدولة نظّمت أربع دورات، أسفرت عن إقرار 62 مشروعًا بقدرات تتراوح بين 1 و10 ميغاوات. إلا أنّ تنفيذ هذه المشاريع كان ضعيفًا، إذ لم تتوفّر في البداية ضمانات كافية عند طرح طلب العروض، ما أدّى إلى مشاركة مستثمرين يفتقرون إلى الإمكانيات التقنية والتمويلية اللازمة. وبعد حصولهم على اللزمات، قرّر بعضهم بيعها لشركات أخرى، ما أدخل طرفا جديدا في العملية، وهو "الوسيط".

السيادة الوطنيّة..؟

وشدّد عمر بن حسين باي على أنّ تطبيق نظام "اللزمات" لا يمسّ بسيادة الدولة، مُوضّحًا أنّ الاستثمارات تتم في تونس وتخضع بالكامل للقانون الوطني. وأضاف في السياق ذاته أنّ كلّ مشروع يُلزمه البنك بتخصيص جزء من أرباحه لتمويل مشاريع تهدف إلى تحسين ظروف المعيشة للسكان المحليين في المنطقة. وأوضح أنّ أكثر من 50% من ميزانية هذه المشاريع تُوجّه أساسا لتغطية الفواتير، ما يوفّر دخللا مباشرا للشركات التونسية.

وتحدّث باي عن مشروع بقدرة 100 ميغاوات، وهو في طور الإنجاز، مُثمّنًا أهميته الكبيرة في توفير عدد معتبر من فرص العمل. وأشار إلى أنّ المشروع من المفترض أن يمتد على مساحة تقارب 200 هكتار، ما يُعزّز فرص توظيف اليد العاملة المحلية.

وبدوره، شدّد فنيرة على أنّ اللزمات تقع على الأراضي التونسية، وحتّى في حال غادر المستثمر، فإنّها تظل تُدرّ إنتاجًا لصالح الدولة التونسية.