languageFrançais

روندو فينيزيانو.. حين تعزف الموسيقى ذاكرة الشعوب وتفتح أبواب التاريخ

هلمّوا لننصت قليلاً إلى موسيقى لا تُشبه سواها.. موسيقى تحمل في نغماتها هدوء البحر، وسحر المدن العتيقة، وعبق القصور التي حفظت أسرار قرون من الفن والجمال. هلمّوا إلى رحلة لا تعترف بالحدود ولا بالجغرافيا، حيث يصبح الحلم لغة مشتركة، وتتحول الألحان إلى جسور بين الأزمنة والحضارات. 

هكذا كانت سهرة فرقة روندو فينيزيانو الإيطالية ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، ليلة 4 أوت 2026، موعداً استثنائياً مع موسيقى صنعت من الذاكرة الثقافية والتاريخية جسرا يصل إيطاليا بتونس، والبندقية بقرطاج.

على المسرح، لم تكن الآلات مجرد أدوات للعزف، بل كانت رواة حكايات قديمة. خمس عشرة كمنجة نسجت خيوط الرحلة، والبيانو كان سيد المشهد، يقود الجمهور نحو عوالم كلاسيكية ساحرة تتداخل فيها الرومنسية مع قوة التاريخ. أما الصورة البصرية للعرض فكانت جزءاً من الحكاية. سبع عازفات اعتلين المسرح بأزياء تستعيد روح العصر الباروكي، بينما اختار بقية أفراد الفرقة اللون الأسود عنوانا للأناقة والهيبة. لم يكن ذلك مجرد اختيار جمالي، بل امتداداً لفلسفة المجموعة التي لطالما مزجت بين الموسيقى والمشهد، لتحول الحفل إلى تجربة متكاملة تستحضر الماضي بكل تفاصيله.

 

وبدا جليا منذ اللحظات الأولى أن روندو فينيزيانو لا تقدم حفلا موسيقيا تقليديا، بل تبني عالما خاصا بها. عالم تتجاور فيه نغمات البندقية الحالمة مع صخب التاريخ، وتلتقي فيه موسيقى الباروك بإيقاعات أكثر حداثة، لتثبت أن الفن الحقيقي قادر على عبور الزمن دون أن يفقد هويته. فتتجاوز موسيقى الفرقة حدود اللغة، فهي تخاطب الروح مباشرة. تمنح المستمع مساحة للتأمل والسفر، بين مساءات البندقية الهادئة، وذاكرة روما المليئة بالحكايات، وبين جمال اللحظة الحاضرة وسحر الماضي البعيد.

ومن البندقية إلى قرطاج، حمل العرض الجمهور في رحلة عبر التاريخ. فقد حضرت ملامح المدينة الإيطالية في الصور المعروضة على الشاشة، وظهرت القصور القديمة كأنها تستعيد مكانها في الذاكرة. كان المشهد دعوة مفتوحة لاكتشاف زمن آخر، زمن البساطة والجمال والرقي. فكانت كل معزوفة فصلا من كتاب موسيقي كبير. في "فصول البندقية" تحدثت الكمنجات بلغة العشق، وفي "لقاء سحري" أخذ البيانو الجمهور إلى فضاءات حالمة، بينما جمعت "رقصة متوسطية" بين آلات النفخ والقيثارة في تناغم يعكس روح البحر الأبيض المتوسط.

واكتشف جمهور قرطاج خلال هذه الرحلة مقطوعات حملت عناوين تختزن الكثير من السحر، مثل "سحر البندقية"، و"لآلئ الشرق"، و"لحظات السحر"، و"كازانوفا"، قبل أن تبلغ الحكاية ذروتها مع "لا سيرينيسيما"، اللقب التاريخي لمدينة البندقية، في مقطوعة مزجت بين قوة الإيقاعات المستوحاة من التاريخ العسكري وروح التوزيعات الموسيقية الحديثة.

 

وعلى مسرح قرطاج، كتبت روندو فينيزيانو صفحة جديدة من حكايتها الطويلة. حكاية بدأت من مشروع لدعم الموسيقيين الشباب المتخرجين من المعاهد الإيطالية، قبل أن تتحول إلى ظاهرة موسيقية عالمية أحدثت تحولاً في المشهد الأوروبي، من خلال خلق حوار متفرد بين الأصالة الكلاسيكية والابتكار المعاصر عبر رحلة في الذاكرة، احتفت بالإنسان حين يلتقي بالفن وأثبتت أن الموسيقى قادرة على جمع الشعوب، وأن اختلاف اللغات والثقافات لا يمنع الأرواح من التلاقي.

وأعلن المايسترو جيان بييرو ريفيريري أن هذا الحفل يمثل آخر ظهور له كقائد للأوركسترا، فاتحاً المجال أمام عازف البيانو لمواصلة المسيرة والإبداع في مشاريع موسيقية جديدة، في لحظة حملت الكثير من الرمزية لمسيرة فنية امتدت لعقود.

وتأسّست فرقة روندو فينيزيانو سنة 1979 على يد الملحن وقائد الأوركسترا جيان بييرو ريفيريري، لتصبح واحدة من أنجح التجارب الموسيقية الإيطالية عالمياً. وبفضل أسلوبها الفريد الذي يمزج بين موسيقى الباروك الفينيسية والنفَس المعاصر، استطاعت أن تبيع أكثر من 25 مليون أسطوانة حول العالم، وأن تخلق لنفسها هوية موسيقية لا تشبه غيرها.

الواثق بالله شاكير