من قرطاج إلى الكارناتيك.. أوتار تتكلم في ملحمة موسيقية بين تونس والهند
احتضنت قاعة الجهات بمدينة الثقافة "الشاذلي القليبي"، مساء الاثنين 30 مارس 2026، لحظة فنية استثنائية تحوّلت فيها الموسيقى إلى لغة عابرة للقارات، وذلك من خلال عرض "لقاء الكمان – لقاء الأوتار: الكارناتيك والعربي"، الذي جمع بين روحين موسيقيتين تنتميان إلى ضفاف المتوسط وأعماق الهند ليتحوّل الرّكح من مساحة للعزف إلى فضاء للتّلاقي بين الفنان الهندي أمبي سوبرامانيام، حامل إرث الموسيقى الكارناتيكية، وعازف الكمان التونسي زياد الزواري، الذي يواصل نحت مساره كأحد أبرز المجددين في المشهد الموسيقي العربي.
وبين أنامل العازفين، انصهرت "الراغا" الهندية مع "المقامات" العربية، ليتحوّل الكمان إلى جسر خفي تعبر عليه الأحاسيس دون استئذان الجغرافيا، فاستهلّ العرض بمعزوفة "نفس"، التي بدت كأنها ولادة أولى لهذا المشروع الفني، قبل أن يشارك الزواري الجمهور خلفيات هذا اللقاء الذي انطلق من الهند في فيفري 2026، بهدف البحث عن مساحات مشتركة بين ثقافتين موسيقيتين عريقتين. وفي لفتة مؤثرة، أهدى هذه المعزوفة إلى روحَي أمين بوديدح وأحمد داود، فغمر الصمت القاعة لوهلة، قبل أن ينفجر التصفيق تعبيرًا عن التأثر.
ومع التحاق بقية العازفين: حمدي الجموسي وأكشاي أنانتابادمانابادها على الإيقاع، وهادي فهمي على القيثارة، اتسعت الدائرة الصوتية، وتنوّعت المقاطع بين "سراب" و"هندي تالة" التي قدمت لأول مرة، وصولا إلى "نسمة من الهند" و"الفالس العربي" الذي أعاد الجمهور إلى دفء الشرق في قالب كلاسيكي أنيق.
وتصاعد الإيقاع مع "زفير" و"رقصة ديزي"، قبل أن يبلغ العرض ذروته في "اللونجا"، حيث تحوّل الكمان إلى حوار حيّ بين السرعة والدقة، أشعل حماس الحاضرين. كما شكّل صعود منير الطرودي إلى الركح لحظة مفاجئة أضفت بعدًا تجريبيًا على العرض، إذ مزج بصوته البدوي بين الموروث التونسي والإيقاع الهندي في ارتجال لاقى تفاعلا واسعا.
وهكذا، كرّس "لقاء الكمان" نفسه كتجربة فنية تتجاوز حدود العرض التقليدي، ليؤكد أن الموسيقى، حين تبلغ هذا العمق، قادرة على أن تكون وطنا مؤقتا يجتمع فيه المختلفون دون حاجة إلى ترجمة.