languageFrançais

ليلة القدر.. 'درّة التاج' المرتقبة طوال العام

تطل علينا في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك ليلة ليست ككل الليالي، ليلة يلفّها السكون، وتغشاها السكينة، وتتطلع إليها قلوب مئات الملايين من المسلمين حول العالم.. إنها ليلة القدر، المحطة الروحية الأهم في التقويم الهجري، والتي تمثل رمزية عميقة تتجاوز مجرد العبادة.

ليلة مباركة يقدسها المسلمون.. أنزل فيها القرآن الكريم، وأجر العمل الصالح فيها خير من عمل ألف شهر. أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتحرّيها في الوتر من العشر الأواخر في شهر رمضان، فيما يعتقد كثير من المسلمين أنها توافق ليلة السابع والعشرين من رمضان، ويخصونها بعادات وتقاليد راسخة.

القدسية المستمدة من الوحي

تستمد هذه الليلة قدسيتها المطلقة من ارتباطها بحدث "التنزيل" فهي الليلة التي اختارها الله سبحانه وتعالى لتكون بداية اتصال السماء بالأرض عبر القرآن الكريم. وهذه الرمزية تجعل من ليلة القدر عيدا لنزول النور، وبداية لعهد الهداية الإلهية للبشرية.

ليلـــــــــــــــــــــــــــــة خير مــــــــــــــن ألـــــــــــف شهـــــــــــــــــر

ليلة خير من ألف شهر: وفقا للنص القرآني، فإن العبادة في هذه الليلة توازي في قيمتها الروحية والجزائية عبادة أكثر من 83 عاماً. هذا التكثيف الزمني يعكس كرم الذات الإلهية، ويجعل منها فرصة ذهبية "لاختصار المسافات" نحو الله.

نزول الملائكة والروح: تعيش الأرض في هذه الليلة حالة من التداخل بين عالم الشهادة وعالم الغيب، حيث تزدحم الدنيا بالملائكة وجبريل عليه السلام، مما يضفي شعورا بالأمان والسلام النفسي يلمسه الصائمون في كل بقعة.

رمزية الاجتهاد والترقب

تتجلى جمالية ليلة القدر في كونهـا ليلة مخفية، فلم يحدد النبي موعدها بدقة، بل أمر بتحريها في الوتر من العشر الأواخر. وهذه الضبابية المقصودة تحمل دلالات تربوية ورمزية عميقة في صفوف المسلمين:

بث روح المنافسة: تجعل المسلم في حالة استنفار روحي واجتهاد مستمر طوال الأيام الأخيرة، فلا يقتصر جهده على ليلة واحدة بل يمتد ليشمل موسماً كاملاً من الطاعة.

التطهير الذاتي: هي ليلة التغيير الجذري، حيث يعتقد المسلمون أن المقادير السنوية تُكتب فيها، مما يدفعهم للإلحاح في الدعاء طلباً لتغيير "الأقدار" نحو الأفضل.

أصل التسمية

يرجّح العلماء أن تسميتها بالقدر تعود لعظم قدرها عند الله تعالى، وكثرة مغفرة الذنوب فيها، وما يدل على هذا قوله تعالى: "وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر".

الوجه الثاني أن تسميتها ليلة القدر تعود إلى أن الله تعالى يقدّر فيها أحداث السنة ويقضي ما يكون فيها من أمور من أرزاق وآجال وغيرها. ويستند هذا التفسير إلى قوله تعالى: "إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا".

"درة التاج" في شهر رمضـــــــــــــــــــان.. الرمز الأسمــــــى لرحمة اللـــــــه بعبـــــــاده

أما الوجه الثالث فيقول سُمّيت ليلة القدر لأن العمل الصالح فيها ذو قدرٍ عظيم وأجرٍ مضاعف لا يتحقق في غيرها من الليالي. فقيامها يختلف عن قيام أي ليلة أخرى؛ إذ لا ينال الإنسان الأجر ذاته لو قام ليلة النصف من شعبان أو رجب أو غيرهما من ليالي السنة.

وذهب بعض العلماء إلى أن تسميتها بليلة القدر تعود إلى أن الله تعالى قدّر فيها إنزال القرآن الكريم.

وقيل أيضا إن اسمها يعود إلى كونها ليلة الحكم والفصل، أي الليلة التي يُقضى فيها بالأمور ويُفصل فيها بين المقادير، وهو التفسير الأصح والأشهر بين العلماء.

ليلة القدر هي ليلة من ليالي العشر الأواخر في رمضان المعظم وهي خير من ألف شهر كما جاء في السورة التي تحمل اسمها "ليلة القدر خير من ألف شهر".

وتميّزت هذه الليلة بخصوصيات فريدة إذ اختصّت بإنزال القرآن الكريم، وتنزّل الملائكة والروح فيها، وتغمرها السكينة والسلام حتى مطلع الفجر، وهي خصائص لم تمنح لليلة أخرى من ليالي العام، مما يجعلها متفردة بفضلها ومكانتها.

تظل هذه الليلة "درة التاج" في شهر رمضان، والرمز الأسمى لرحمة الله بعباده.. يجتمع فيها الرجاء بالخوف، والعمل بالأمل، لتظل دائما وأبدا الليلة المرتقبة التي يجدد فيها المسلم عهده مع خالقه.

(موزاييك أف أم+الجزيرة نت)