languageFrançais

الأمطار تحرك القشرة الأرضية في إثيوبيا: كيف تتنفس الأرض؟

يعتقد كثير من الناس أن الأرض التي نقف عليها ثابتة لا تتغير، وأن القشرة الأرضية كتلة صلبة لا تتأثر بما يحدث فوقها، غير أن الأبحاث العلمية الحديثة تكشف حقيقة مختلفة تماما: فالقشرة الأرضية كيان مرن يستجيب لما يُلقى فوقه من أوزان طبيعية، وفي مقدمتها المياه الناتجة عن الأمطار الموسمية.

وتقدم إثيوبيا اليوم مثالا علميا لافتا يوضح هذه العلاقة الخفية بين المناخ وحركة الأرض.

إثيوبيا.. مختبر طبيعي معقّد

لطالما رُصدت ظاهرة تحرك القشرة الأرضية صعودًا وهبوطًا في مناطق ذوبان الجليد أو الأحواض النهرية الكبرى، غير أن إثيوبيا تمثل حالة أكثر تعقيدًا.

فالبلاد تقع ضمن الأخدود الإفريقي العظيم، وهي منطقة تشهد نشاطا تكتونيا دائما من زلازل وصدوع وبراكين، ما يجعل رصد تأثير الأمطار وحدها مهمة علمية شديدة الصعوبة.

في مثل هذا السياق، تختلط الإشارات الناتجة عن تغيّر كتلة المياه مع تلك التي تولدها حركة الصفائح الأرضية، وهو ما جعل الفصل بين العاملين تحديا استثنائيا للباحثين.

كيف "تتنفس" القشرة الأرضية؟

لتقريب الصورة، يشرح العلماء الظاهرة بتشبيه بسيط: تخيل القشرة الأرضية كوسادة إسفنجية، والمياه الموسمية كوزن إضافي يوضع فوقها.

خلال موسم الأمطار، تمتلئ الأنهار والبحيرات، وتتشبع التربة، وتُعاد تغذية المياه الجوفية، ما يزيد الكتلة المائية فوق سطح الأرض.

هذا الحمل الإضافي يدفع القشرة إلى الهبوط بشكل طفيف للغاية.

ومع انتهاء الموسم المطري، تبدأ المياه في التبخر أو التسرب أو الجريان بعيدا، فيخفّ الوزن الواقع على القشرة، فتعود تدريجيا إلى الارتفاع.

هذه الحركة البسيطة والمتكررة هي ما يسميه العلماء "التحميل المرن لكتلة السطح".

متى تحدث هذه الظاهرة؟

تظهر هذه التغيرات بوضوح خلال موسمي الأمطار الرئيسيين في إثيوبيا، حيث تشهد البلاد هطولات غزيرة ومنتظمة.

في هذه الفترات، ترتفع كميات المياه المخزنة على السطح وتحت الأرض، ما يؤدي إلى هبوط موسمي محدود لا يتجاوز بضعة مليمترات، لكنه قابل للرصد بأدوات علمية دقيقة.

ورغم أن هذا الهبوط صغير الحجم ولا يشعر به الإنسان، إلا أنه يحمل دلالات علمية مهمة حول طبيعة الأرض وطريقة تفاعلها مع المناخ.

كيف تمكّن العلماء من إثبات ذلك؟

اعتمد الفريق البحثي على دمج نوعين من البيانات العلمية، الأول هو بيانات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، التي تقيس الحركة الفعلية لسطح الأرض بدقة شبه فورية.

والثاني هو بيانات أقمار "غريس"، التي ترصد التغيرات في الجاذبية الأرضية الناتجة عن زيادة أو نقصان كتلة المياه.

هذا الجمع بين الرصد المباشر للحركة الأرضية ورصد تغيّر الكتلة المائية مكّن العلماء من التأكد أن الهبوط المسجل مرتبط فعلا بالأمطار الموسمية، وليس بالنشاط التكتوني أو الزلزالي.

لماذا تبدو إثيوبيا حالة خاصة؟

يُرجع الباحثون وضوح هذه الظاهرة في إثيوبيا إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها قوة وانتظام الأمطار الموسمية، ووجود أحواض مائية كبيرة قادرة على تخزين كميات ضخمة من المياه، إضافة إلى سرعة استجابة المياه الجوفية الضحلة لهطول الأمطار.

هذه العوامل تجعل تأثير المياه على القشرة الأرضية أكثر وضوحا مقارنة بمناطق أخرى من العالم.

التمييز بين الطبيعة والإنسان

ولا تتوقف أهمية هذه الدراسات عند فهم الظواهر الطبيعية فقط، بل تمتد إلى التمييز بين تأثير الأمطار وتأثير الأنشطة البشرية، مثل بناء السدود الكبرى أو استغلال المياه الجوفية.

ويعتمد العلماء في ذلك على مقارنة سلوك القشرة الأرضية قبل التدخل البشري وبعده، إضافة إلى استخدام نماذج علمية تحاكي حركة المياه اعتمادًا على العوامل المناخية وحدها.

أي تغير غير متوقع في حركة الأرض قد يكون مؤشرًا على تأثير بشري مباشر، وهو ما يمنح هذه الأبحاث بعدا عمليا مهما.

لماذا يهمنا هذا الاكتشاف؟

تكشف هذه النتائج أن العلاقة بين الأرض والمناخ أكثر تعقيدا مما نتصور، وأن فهمها بدقة يساعد على تحسين إدارة الموارد المائية، وتقييم المخاطر الجيولوجية، والتخطيط السليم للمشاريع الكبرى في مناطق نشطة تكتونيا.

فحتى الأمطار، التي نراها ظاهرة عابرة، قد تترك بصمتها العميقة في حركة الأرض نفسها.

غفران العكرمي