languageFrançais

مجلة الأحوال الشخصية.. ثورة تشريعية صنعت نموذجًا تونسيًا استثنائيًا

تحتفل تونس اليوم 13 أوت بالذكرى السبعين لصدور مجلة الأحوال الشخصية، وهي المناسبة التي اقترنت أيضا بالعيد الوطني للمرأة التونسية. 

ولا يُمثّل هذا التاريخ مجرد مناسبة احتفالية عابرة، بل هو تذكير بحدث فارق شكل اللبنة الأولى لترسيخ حقوق المرأة التونسية وصيانة مكتسباتها وتعزيز مكانتها كشريك أساسي في بناء المجتمع.

السياق التاريخي ومسار التطور التشريعي

مباشرةً بعد نيل الاستقلال والتحرر من الاستعمار الفرنسي، كلّف الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وزير العدل آنذاك أحمد المستيري، بصياغة مجلة للأحوال الشخصية في "أسرع وقت ممكن". وقد أرّخ المستيري هذه اللحظة الفارقة في مذكراته قائلا:

تكونت لجنة للمجلة من خيرة العلماء.. واتفقنا على مبادئ على ضوئها يتم تأليف المجلة أولها: أن ما فيها لا يتنافى مع القرآن والسنة، ثانيا: لا تحلّ حراما، ثالثها تقيّد وتمنع مباحا، ورابعها: تتماشى وتطور المجتمع التونسي، وعلى ضوء ذلك قيّدنا الطلاق بالطلاق أمام القاضي ومنعنا المباح وهو تعدد الزوجات

وتتويجا لهذه الجهود، صدرت مجلة الأحوال الشخصية بموجب الأمر المؤرخ في 13 أوت 1956 (المنشور بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 66 بتاريخ 17 أوت 1956)، لتيدخل حيز النفاذ الفعلي بداية من غرة جانفي 1957. 

ولم تقف المجلة عند حدود النصّ التأسيسي الأول، بل شهدت تعديلات لملائمة التحولات الاجتماعية؛ وكان أبرزها التنقيح عام 1993 بموجب القانون عدد 74 المؤرخ في 12 جويلية 1993 (المنشور بالرائد الرسمي عدد 53 بتاريخ 20 جويلية 1993). وقد شمل هذا التعديل مراجعة أحكام الخطبة والمهر والزواج والطلاق والنفقة والحضانة والولاية والشراكة المالية، مع إقرار حقوق جليلة للأم في الولاية على أبنائها والاستعاضة عن واجب "الطاعة" بمبدأ التعاون والتآزر والاحترام المتبادل بين الزوجين.

وتعزّز هذا المسار التعديلي بالقانون عدد 10 المؤرخ في 6 مارس 2006، الذي أقرّ رسميا حقّ الزيارة للجدين في حال وفاة أحد والدي المحضون، ضمانا للروابط الأسرية والمصلحة الفضلى للطفل.

لحظة إصدار مجلة الأحوال الشخصية

أحمد المستيري، الحبيب بورقيبة، محمد الطاهر بن عاشور، محمد عبد العزيز جعيط

تحوّل في هيكلة الأسرة وترسيخ المواطنة

تتألّف مجلة الأحوال الشخصية عند إقرارها لأوّل مرة من 170 فصلا (بالإضافة إلى ديباجة وفصول تمهيدية). وبعد التنقيحات والإضافات وصل عدد فصولها الأساسية حاليا نحو 213 فصلا، تفصل أحكام الزواج والطلاق والعدّة والنفقة والحضانة والنسب والميراث، وغيرها من المسائل المنظمة للعلاقات والروابط داخل الأسرة.

ولم تكن المجلة مجرد نص قانوني تنظيمي، بل شكلت واحدة من أجرأ وثورات الإصلاح الحقوقي في المنطقة العربية ورُبّما العالمية، حيث أعادت تشكيل أركان الأسرة والمجتمع وفق رؤية حداثية تقوم على مبادئ العدل والكرامة الإنسانية. 

النسخة الأصلية الكاملة لنص المجلة الموقع من قبل الحبيب بورقيبة

وصُنّفت المجلة حينها كنص رائد واستثنائي في الوطن العربي وعلى الساحة الدولية، بفضل مكاسبها السبّاقة التي أحدثت تحولا جذريا في مسار تحرير المرأة التونسية، وبناء مواطنتها الكاملة، وتحديث الإطار التشريعي المنظم للأسرة.

ويتجلى هذا التحول في إقرار قوانين صارمة أحدثت قطيعة مع الممارسات التقليدية السائدة، ومن أبرزها:

حظر تعدد الزوجات وتجريمه: أُلغي التعدد كليا، واعتُبر جريمة يُعاقب عليها القانون بالسجن لمدة عام وبغرامة مالية لكل من يتزوج وهو في حالة زوجية قائمة قبل فك عصمتها رسميا.

إقرار الطلاق القضائي الحصري: أُنهي عهد "الطلاق الشفوي الإرادي"، وأُسند البت في قضايا الطلاق وحل رابطة الزوجية حصريا إلى المؤسسة القضائية، ضمانا لحقوق الطرفين والأبناء.

التراض في الزواج وحماية القاصر: اشتُرط لإنعقاد الزواج الرضا الكامل والحر لكلا الزوجين، مع وجوب إشهاد شاهدين من أهل الثقة وتسمية مهر للزوجة، فيما أُخضع زواج القاصر لشرط موافقة الولي والأم معا.

الاستقلالية المالية والتضامن الأسري: أُقرت الاستقلالية المالية التامة للزوجة دون أي ولاية للزوج على أموالها الخاصة، مع إلزام الزوج بالإنفاق على زوجته المدخول بها وعلى مفارقته طيلة فترة عدّتها.

ولا تقف مجلة الأحوال الشخصية عند هذه الأحكام المفصلية فحسب، بل تمتد لتشكل مدونة قانونية متكاملة تفصّل مختلف شؤون الأسرة، حيث تطرقت إلى مسائل النسب وحقوق الأبناء فضلا عن تنظيم أحكام العدة والميراث والوصية والهبة. وهو ما جعل منها إطارا قانونيا شاملا يغطي كافة الأبعاد والالتزامات التي تضمن استقرار البناء الأسري وحماية حقوق جميع أفراده.

ورغم ذلك، يرى العديد من الخبراء ومكونات المجتمع المدني أنّ إحياء هذه الذكرى اليوم لا يجب أن يقتصر على الاحتفاء التاريخي فحسب، بل يفرض وقفة تأمل موضوعية أمام عدد من التحديات الحقيقية القائمة، وفي مقدمتها الفجوة بين النص القانوني والواقع اليومي. إذ ما زالت فئات واسعة من النساء، لا سيما في المناطق الريفية والداخلية، يخضن مواجهة يومية مع هشاشة ظروف العمل (مثل عاملات القطاع الفلاحي) وغياب التغطية الاجتماعية والصحية الكافية.

يُضاف إلى ذلك ملف مكافحة العنف الأسري، فرغم وجود ترسانة تشريعية وقوانين صارمة، فإنّ الأرقام المسجّلة على أرض الواقع تستوجب تفعيلا أكثر نجاعة لآليات الحماية والوقاية.