languageFrançais

ميسي والأرجنتين في ليلة الوداع.. الفصل الأخير من أسطورة كروية لا تُنسى

كيف صنع البرغوث مجد التانغو؟..

عندما تُطلق صافرة نهاية اللقاء، لن تكون مُجرّد تسعين دقيقة تنتهي معها مباراة، بل ستكون لحظة تُسدل فيها الستارة على واحدة من أعظم القصص في تاريخ الرياضة.

الليلة، يرتدي ليونيل ميسي قميص الأرجنتين للمرة الأخيرة، ويخوض الفصل الأخير من رحلته الطويلة مع "ألبيسيليستي"، رحلة بدأت بموهبة استثنائية، ومرّت بخيبات قاسية ونهائيات ضائعة، قبل أن تنتهي بالألقاب التي طال انتظارها.

إنّها الرقصة الأخيرة مع "التانغو".. والصفحة الأخيرة في حكاية بدأت قبل أكثر من عقدين..

من فتى روساريو إلى قائد الألبيسيليستي

بدأت الحكاية في منتصف العقد الأول من الألفية، حين ظهر ميسي بقميص المنتخب الأرجنتيني وهو لا يزال في بداياته. كان العالم قد بدأ يكتشف موهبته، لكن الطريق مع منتخب بلاده لم يكن سهلًا كما قد يبدو اليوم.

فالأرجنتين التي حملت مارادونا في ذاكرتها لم تمنح ميسي حبّها بسهولة. كانت المقارنة حاضرة، والتوقّعات هائلة، وكلّ إخفاق يتحول سريعًا إلى سؤال جديد: هل يستطيع اللاعب الذي أذهل العالم مع برشلونة أن يصنع المجد نفسه مع بلاده؟..

وظهر ميسي للمرّة الأولى مع المنتخب الأرجنتيني في أوت 2005 أمام المجر، في مباراة لم تسر كما كان يتمنى. دخل بديلًا، لكنه لم يمكث سوى ثوانٍ قليلة على أرض الملعب قبل أن يتلقى بطاقة حمراء، في بداية غريبة لمسيرة كان مقدرًا لها أن تصبح استثنائية.

لكن تلك البداية لم تكن سوى المشهد الأوّل من رحلة طويلة، واصل ميسي طريقه مع "ألبيسيليستي" لأكثر من عقدين، ليتحوّل تدريجيًا من الفتى الموهوب الذي تنتظر منه الجماهير الكثير، إلى قائد المنتخب وهدافه التاريخي، وأحد أبرز اللاعبين الذين ارتدوا القميص الأزرق والأبيض عبر تاريخه.

وبعد أقلّ من عام على ظهوره الدولي الأوّل، استُدعي ميسي إلى كأس العالم 2006 في ألمانيا. وفي المباراة الثانية للأرجنتين بدور المجموعات أمام صربيا والجبل الأسود، دخل ابن مدينة روساريو في الدقيقة 74 والنتيجة تشير إلى تقدم منتخب بلاده بثلاثة أهداف دون رد.

ولم يحتج ميسي سوى أربع دقائق ليصنع هدفًا لهيرنان كريسبو، قبل أن يُسجّل بنفسه الهدف السادس، ليُصبح آنذاك أصغر لاعب أرجنتيني يُسجّل في نهائيات كأس العالم، وهو لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره.

لكن، إنّها مجرد بداية...

من حلم المونديال إلى مرارة النهائيات

بعد خروج الأرجنتين من ربع نهائي مونديالي 2006 و2010، جاءت فرصة ميسي الكبرى في مونديال البرازيل 2014. هناك، قاد "ألبيسيليستي" إلى النهائي لمواجهة ألمانيا، في تكرار لنهائي مونديال 1990 بين المنتخبين.

وقدّم ميسي بطولة مميزّة، حيث سجّل خلالها أربعة أهداف وصنع هدفًا، وحصل في النهاية على جائزة أفضل لاعب في البطولة، لكن الحلم توقّف عند الخطوة الأخيرة.. 

فبعد 120 دقيقة، جاء هدف ماريو غوتزه ليمنح ألمانيا الفوز بهدف دون رد، ويبدد فرصة ميسي الأولى في رفع كأس العالم. كانت ليلة مؤلمة للاعب حمل آمال بلاده طوال البطولة، لكنها لم تكن سوى بداية لمرحلة أكثر قسوة في علاقته بالمنتخب.

فبعد المونديال، أصبح ميسي مطالبًا أكثر من أي وقت مضى بتحقيق اللقب الذي ظل ينقص مسيرته الدولية. ولم يتوقف مسلسل الخيبات عند كأس العالم. ففي كوبا أمريكا 2015، وصلت الأرجنتين إلى النهائي لمواجهة تشيلي صاحبة الأرض، لكن اللقب أفلت منها بركلات الترجيح بعد مباراة انتهت بالتعادل دون أهداف.

وبعد عام واحد فقط، تكرّر المشهد ذاته في نهائي كوبا أمريكا 2016، وهذه المرة أمام تشيلي أيضًا. عجز المنتخبان عن هز الشباك خلال 120 دقيقة، لتُحسم المباراة مجددًا بركلات الترجيح، وتخسر الأرجنتين النهائي الثاني على التوالي.

وكانت الضربة الأقسى أنّ ميسي نفسه أهدر ركلته، فتحوّلت ليلة الاحتفال المنتظر إلى واحدة من أكثر لحظات مسيرته ألمًا.

وبعد المباراة، وفي لحظة انكسار نادرة، أعلن ميسي اعتزاله اللعب الدولي وهو في التاسعة والعشرين من عمره. بدا حينها أنّ الحكاية التي بدأت قبل أكثر من عقد قد تصل إلى نهايتها من أكثر الأبواب قسوة: نجم يملك كل شيء مع ناديه، لكنّه يعجز عن حمل الكأس التي تنتظرها بلاده.

ميسي مع الأرجنتين عام 2010

ميسي مع الأرجنتين عام 2014

من الانكسار إلى المجد

لكن وما في كلّ مرة، القصّة لم تنتهِ بعد، وميسي لم يكتب بعد النهاية التي يحلم بها..

ففي 10 جويلية 2021، كان ملعب "ماراكانا" شاهدًا على واحدة من أهم لحظات مسيرته. الأرجنتين تواجه البرازيل في نهائي كوبا أمريكا، وميسي أمام فرصة جديدة لإنهاء سنوات طويلة من الانتظار.

لم يسجل ميسي في النهائي، وتكفل أنخيل دي ماريا بتسجيل هدف المباراة الوحيد، ثمّ جاءت صافرة النهاية لتمنح الأرجنتين لقبها القاري بعد 28 عامًا من الانتظار.

وكان ذلك اللقب أكثر من مجرد بطولة؛ كان نقطة تحول في علاقة ميسي بالمنتخب والجماهير. فاللاعب الذي عاش سنوات من الانتقادات والشكوك، أصبح أخيرًا بطلًا مع بلاده.

وبعد عام واحد، أضاف ميسي والأرجنتين لقبًا جديدًا إلى الخزينة، عندما توج المنتخب بلقب 'الفيناليسيما' على حساب إيطاليا في ملعب ويمبلي.

لكن اللقب الأكبر كان لا يزال ينتظر..

قطر 2022.. اللحظة التي اكتملت فيها الحكاية

من مباراة إلى أخرى، قاد الأرجنتين نحو الأدوار المتقدمة، وسجل في مراحل مختلفة من البطولة، إلى أن وصل إلى النهائي أمام فرنسا على ملعب لوسيل. وفي واحدة من أكثر مباريات كأس العالم إثارة، سجل ميسي هدفين، بينما رد كيليان مبابي بثلاثية، لتنتهي المباراة بالتعادل 3-3 بعد الوقتين الأصلي والإضافي.

واحتكم المنتخبان إلى ركلات الترجيح، وهناك حسمت الأرجنتين اللقب، بعدما سجل غونسالو مونتييل الركلة الأخيرة. ورفع ميسي كأس العالم وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، محققًا الحلم الذي رافقه منذ ظهوره الأول في المونديال.

وفي كوبا أمريكا 2024، قاد الأرجنتين إلى الاحتفاظ باللقب القاري، بعدما تغلب المنتخب على كولومبيا في النهائي.

وهكذا أصبح ميسي بطل العالم وبطل كوبا أمريكا مرتين، لترتفع حصيلته مع المنتخب إلى مجموعة من الألقاب التي أنهت، إلى حد كبير، الجدل الذي رافق مسيرته الدولية لسنوات.

الفصل الأخير.. والوداع

دخل ميسي كأس العالم 2026 وهو في التاسعة والثلاثين، وفي مشاركته السادسة بالمونديال، مدركًا أنّ البطولة قد تكون الفصل الأخير في قصّته مع الأرجنتين.

ورغم تقدمه في السن، واصل صناعة التاريخ، فسجل ثلاثية في المباراة الافتتاحية أمام الجزائر، ثم أضاف أهدافًا أخرى أمام النمسا والأردن والرأس الأخضر ومصر، لينهي البطولة برصيد ثمانية أهداف، ويرفع مجموع أهدافه في تاريخ كأس العالم إلى 21 هدفًا.

ووصلت الأرجنتين مجددًا إلى النهائي، لكن النهاية لم تأتِ كما حلم ميسي. ففي 19 جويلية، خسر المنتخب الأرجنتيني أمام إسبانيا بهدف دون ردّ، لتكون تلك المباراة الأخيرة لميسي بقميص بلاده.

بعد أسابيع، أعلن ميسي رسميًا اعتزاله اللعب الدولي. وكتب قائد الأرجنتين أنّ القرار "يؤلم"، لكنّه أدرك أنّ الوقت قد حان، مؤكدًا على أنّه قدم كل ما لديه من أجل قميص المنتخب، وأن جيلًا جديدًا من اللاعبين يستحق فرصة حمل الراية من بعده.

وكشف ميسي أن رسالة اعتزاله كتبها في 21 جويلية، أي بعد يومين فقط من خسارة نهائي كأس العالم أمام إسبانيا، لكنه أصبح أكثر اقتناعًا بقراره بعد وفاة والده خورخي في أوت.

وهكذا تنتهي مسيرة ميسي مع الأرجنتين بعد 207 مباريات و125 هدفًا، ليغادر المنتخب وهو هدّافه التاريخي وصاحب الرقم القياسي في عدد المشاركات، وبطل العالم وبطل كوبا أمريكا مرتين.

قد لا تكون النهاية التي حلم بها في ملعب ''ميتلايف''، لكنها تختصر، في الوقت نفسه، مسيرة لا تشبه سواها. لاعب بدأ مشواره الدولي بالطرد بعد ثوانٍ من ظهوره، وعاش سنوات من الانتقادات والنهائيات الضائعة، وأعلن اعتزاله مرة قبل أن يعود، ثم قاد بلاده في النهاية إلى المجد القاري والعالمي.

من فتى روساريو الذي حملت موهبته وعودًا كبيرة، إلى قائد رفع كأس العالم فوق رأسه؛ ومن لاعب طاردته مقارنات مارادونا إلى أسطورة صنعت لنفسها مكانًا خاصًا في تاريخ الأرجنتين.

الليلة، تنتهي الحكاية الدولية لليونيل ميسي.. الليلة، تُودّع كرة القدم الدولية واحدًا من أعظم لاعبيها، وتُسدل الستارة على قصّة امتدت لأكثر من عقدين، بين الانكسارات والألقاب والأمجاد.

أمّا قميص الأرجنتين، فسيبقى يحمل بعد اليوم ذكرى لاعب جعل الرقم 10 أكثر من مجرد رقم، وحوّل رحلة طويلة من الانتظار إلى واحدة من أعظم نهايات القصص الرياضيّة.

* إعداد: أمل مناعي