languageFrançais

الفسفاط في تونس.. 500 مليار في مهبّ الرّيح

مازال العابد الزنايدي، 70 سنة، يعود إلى مغسلة الفسفاط بالرديف سنوات كثيرة بعد تقاعده، ويمشي بين سكك الحديد التي تآكلت بخطوات متثاقلة، وهو يسترجع ماضي شركة فسفاط قفصة المزهر، ويتذكّر مناجم قضى فيها شبابه، أيام كان الإنتاج مكثّفا، ما جعل من الشركة ترتقي لتصبح العمود الفقري لاقتصاد الجهة و شريانا حيويا للإقتصاد الوطني عامّة.
 يسترجع الزنايدي الأعمال التي كان يقوم بها  هو ورفاق المناجم في الرديف وأم العرايس والمتلوي أيام كانت كل مهام الاستخراج والنقل موكولة لشركته الوطنية التي كانت رائدة في مجالات عدة.
 يتأسّف بشدة لتكدّس جبال الفسفاط التي استخرجت من مناجم أم العرائس والرديف ولم يتم نقلها، والتي تقدر قيمتها بحوالي 500 مليار من المليمات (حوالي 3 مليون طن).

"أزمة النقل هي المتسببة في كلّ هذا الخراب وأيادي الانتهازية المعلومة من قبل الجميع . وهي من تقف وراء هذه المأساة"، يقول العابد وهو يتجوّل بين أكداس فسفاط استخرج  من رحم الجبال وبقي على سطح الأرض، ككنز متروك لا منفعة منه لا للشركة و لا للجهة . ولا مداخيل من استخراجه للمجموعة الوطنيّة بعد تعطّل السكك الحديدية وتهالك معداتها وقطاراتها وتسبب فيضانات 2017 في توقيف النقل عبر القطار ، مع تجدّد رفض عدد من المواطنين لتدخّل المناولين في الشركات المتعاقدة مع شركة فسفاط قفصة لنقل هذا المخزون .
 الشركة التي كانت تنتج سنويا 8 مليون طن من الفسفاط قبل 2011، باحتياطي من الأموال يقدر ب 1200 مليون دينار تراجع إنتاجها إلى النصف في أفضل الأحوال في السنوات التي تلت الثورة وهو ما هدّد توازناتها المالية.
يقول المكلف بالإعلام في شركة فسفاط قفصة ،على الوشتاتي، لموزاييك أن الشركة باتت مهدّدة بالإفلاس أكثر من أي وقت مضى ، خصوصا أن أيام العمل في عدد من الأقاليم تقلّصت إلى 100 يوم عمل فقط في السنة بسبب الحراك الاجتماعي وتعطيل حرية العمل وغلق أماكن الإنتاج . وهو ما انعكس على مردودية الشركة والمجمع الكيميائي.


 "أزمة السكك الحديدية دفعتنا إلى الالتجاء إلى نقل الفسفاط عبر الشاحنات وفق كراسات شروط واضحة. وتكلفة النقل عبر الشاحنات لا تختلف كثيرا عن كلفتها نقله عبر القطارات،"  يضيف الوشتاتي،  خلافا لما تم ترويجه مؤخرا .


 من ناحيته، يؤكد الناشط المدني ونائب رئيس بلدية الرديف غانم شريطي على ضرورة استمرارية الشركة ونقل الفسفاط عبر الشركات الوطنية لأن كلفة النقل على الشركات الخاصة تفوق كلفته عبر شركة السكك الحديدية،  ويؤكد على دور الشركة في النهوض بالحوض المنجمي الذي يعاني سكانه من أمراض عديدة من جراء الفسفاط ، في ظل غياب نسيج تنموي يساعد المنطقة على الخروج من التهميش الذي فرض عليها .


و  بالإضافة إلى أزمة الإنتاج والنقل، أثقلت الانتدابات ذات الطابع الاجتماعي كاهل المؤسسة التي فتحت أبوابها لحوالي 3000 عون سنة 2013 ، وبلغ عدد عمال شركات البيئة التي تمولها  حوالي 6000 عون ، بكتلة أجور تناهز 75 مليارا من المليمات . أوزار مالية ازداد ثقلها خاصة  بعد  تدني مردودية شركة نقل الموارد المنجمية التي تشرف عليها والتي تضم أكثر من 1500 عونا، ما جعل شبح الاندثار يلاحق شركة فسفاط قفصة، وهو ما صرح به  أيضا المكلف بالإعلام في الشركة لموزاييك.


 كما تهالكت المعدات ومُنعت المؤسسة من التوريد بسبب عدم قدرتها على التصدير إثر تراجع الإنتاج الشيء الذي أفقدها امتيازات جبائية كانت تتمتع بها، ما أضاف مشاكل أخرى لشركة وطنية تعاني من أزمات معقدة استنفعت منها فئة صغيرة، وأثرت سلبا على المجموعة الوطنية .


يواصل العابد الزنايدي جولته في مكان عمله السابق كمن يقف على أطلال عصف بها "تسونمي" أزمات متعددة ومركّبة قد تضرب عرض الحائط  بأحلام تنمية شاملة في جهة لا تتنفس إلا فسفاط،  وقد تجعل من قطاع، قادر بمفرده على تحقيق توازنات مالية ،كم تفتقد لها اليوم الدولة التي تعاني من وزر المديونيّة، قطاعا في مهبّ الرّيح...
 

 برهان اليحياوي