languageFrançais

الهذيلي: لا تقدّم دون فقه عقاري ويجب إدماج العقار الدولي في الاقتصاد

في دفاع صريح عن منظومة الملكية العقارية في تونس، اعتبر وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية وجدي الهذيلي أن أي تقدّم في هذا الملف يمرّ حتماً عبر فقه دقيق لمادة وصفها بأنها تنظم الملكية في البلاد منذ قانون جويلية 1885.

وقال الوزير، خلال جلسة استماع صلب لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب ولجنة القطاعات الإنتاجية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، إن نظام الشهر العيني ليس نظاماً استعمارياً كما يُروّج له أحياناً، بل هو نظام تعتمده أكثر دول العالم تقدماً اقتصادياً، مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية، وإن مؤسساته من ديوان قيس الأراضي إلى المحكمة العقارية تعود إلى سنة 1885.

ودعا الوزير إلى تدريس هذه المادة منذ السنة الأولى في المدرسة الوطنية للإدارة وفي كليات الحقوق، معتبراً أنه ليس من المعقول أن تبقى قلة قليلة تفقه في مادة بهذه الخصوصية، بينما يتوقف عليها تنظيم الملكية وحماية المال العام ودفع الاستثمار.

التسجيل قوة ثبوتية مطلقة

وأكد الهذيلي أن العقار المسجّل هو الذي يصدر فيه حكم من المحكمة العقارية مصحوباً بمثال هندسي معدّ من ديوان قيس الأراضي، ثم يوجّه الحكم صحبة المثال إلى إدارة الملكية العقارية لإقامة الرسم العقاري.

وشدّد على أن هذا الرسم يتمتع بقدسية من حيث الملكية، فلا يمكن الرجوع فيه حتى في صورة الخطأ أو التدليس، وإنما يمكن فقط طلب التعويض، وهو ما يجعل التسجيل النواة الأولى للاستثمار، لأن أول ما يسأل عنه المستثمر هو: "هل العقار مسجّل أم لا؟"، ولأنه يوفّر للمشاريع العمومية عقارات مستقرة من حيث الوضعية الاستحقاقية.

وكشف أن الإدارة قدّمت منذ انطلاق المشروع إلى موفى سبتمبر 2026 ما مجموعه 7584 مطلب تسجيل، صدرت في شأنها 4286 حكماً بالتسجيل لفائدة الدولة، و488 حكماً بالرفض، فيما لا يزال 2810 مطالب لدى فروع المحكمة العقارية في انتظار البتّ، وتطوّر نسق المطالب من 118 مطلباً في 2021 إلى 279 مطلباً في 2026، على أن تُقدّم 350 مطلباً جديداً في 2027.

وفي مفارقة لفت إليها الوزير، قال إن الدولة التي تسجّل مجاناً للخواص في مناطق المسح العقاري بمقتضى قانون 1964، تجد مطالبها للتسجيل تُرفض أحياناً لعدم الخلاص؛ لذلك طُلب في ميزانية 2027 اعتماد 900 ألف دينار عبر صندوق دعم تحديد الرصيد العقاري لتأمين هذه المطالب.

المكلف العام محامي الدولة حتى في التحكيم الدولي

وفي محور حماية المال العام، أكد الهذيلي أن مؤسسة المكلف العام بنزاعات الدولة تمثّل كل الوزارات (أو: كل الوزارة)، بل تمثّل الدولة حتى في القضايا التحكيمية الدولية، عبر القيام بالدعاوى ومباشرة إجراءات الدفاع عن مصالحها، ومتابعة تنفيذ الأحكام الصادرة لفائدتها.

وأشار إلى أن الوزارة سعت إلى توفير مقر لهذه المؤسسة، وتعمل مع المكلف العام المعيّن مؤخراً على تطويرها في مجال التكوين والامتيازات، واصفاً إياها بالمؤسسة المرغوب فيها لحماية المال العام وملك الدولة الخاص.

4500 اختبار في السنة تحت النقد

أما الإدارة العامة للاختبارات، فتقوم، وفق الوزير، بجميع الاختبارات المتعلقة بالعقارات والمنقولات والغرامات التعويضية لفائدة الدولة والهياكل العمومية، بمعدل حوالي 4500 اختبار سنوياً، بطلبات عديدة من البلديات والمؤسسات العمومية.

وأقرّ بأن عملها صعب جداً؛ لأن التقدير يقوم دائماً على الاجتهاد، عبر عملية التنظير، أي مقارنة العقار بالعقارات المجاورة، وهو ما يجعله موضوع نقد دائم؛ إذ يرى البعض أن التقدير مبالغ فيه بآلاف الدنانير لعقارات لا تساوي شيئاً، ويرى آخرون العكس، وأضاف أن عدداً من الأعوان يخضعون للمساءلة بسبب هذه التقديرات، بما يعكس حساسية المهمة.

121 مهمة و16 ألف عربة مراقَبة

وأبرز الهذيلي دور هيئة الرقابة العامة لأملاك الدولة والشؤون العقارية، التي أنجزت خلال سنة 2026 نحو 121 مهمة رقابية في الشركات والمؤسسات العمومية، منها 21 مهمة رقابية و6 عمليات تدقيق معمّق و20 مهمة بحث، مشيراً إلى أنه يأذن لها بالتدخل كلما بلغته معلومة حول ملك الدولة، لتقديم تقرير مفصّل.

وفي مراقبة السيارات الإدارية، كشف عن مراقبة 16813 عربة على الطريق خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، وتحرير 546 محضر مخالفة تضمّن خطايا مالية، مؤكداً أنه لا مجال للتسيّب في استعمال السيارات الإدارية، وأن السيارة تُستعمل نهاراً وتُترك في الإدارة، مع مراقبة يومية لهذا الأسطول.

وقال الوزير إنه يتابع المخالفات بنفسه، بما في ذلك متابعة المديرين الجهويين والسيارات الوظيفية، مشيراً إلى أن كل السيارات مجهزة بمنصة للتتبع، وأنه سيقدّم تقريراً مفصلاً في الغرض.

15 ألف ملف استقصاء لتحديد ملك الدولة

وفي آلية الاستقصاء وتحديد العقارات الدولية، أوضح الوزير أن لجاناً موجودة في كامل تراب الجمهورية، يترأسها قاضٍ، تقوم باستقصاء كل عقار دولي خاص وإعداد بطاقة له وإصدار أوامر في شأنه، وقد أقرّت محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعة القوة الثبوتية لهذه الأوامر.

وبلغ عدد الملفات المفتوحة 15002 ملف، منها 6449 تقرير اختتام مصادق عليه بأمر أي 43%، و4580 قرار حفظ لعدم ثبوت ملك الدولة أي 30,5%، و3973 ملفاً لا يزال قيد الدراسة أي 26,5%.

وأقرّ بوجود إشكال حقيقي يتمثل في عدم تفرّغ القضاة لهذه اللجان، وبأن بعض اللجان لم تعمل أصلاً بسبب نقص القضاة، رغم العبء الجبار الملقى على عاتقهم في المحاكم، وقال إنه راسل الجهات المعنية في هذا الشأن، مطالباً بتخصيص قضاة متفرغين للاستقصاء وتحديد ملك الدولة.

تأميم 30 عقاراً من أملاك الأجانب في 2026

وتوقف الوزير عند تأميم العقارات الفلاحية الراجعة للأجانب، بمقتضى القانون عدد 5 لسنة 1964 الذي حجّر ملكية الأجانب للأراضي الفلاحية وأحالها للدولة التونسية.

وقال إنه تم في سنة 2026 تأميم 30 عقاراً على مساحة جملية تفوق 300 هكتار، لتواصل بذلك عودة العديد من العقارات لفائدة الدولة.

أما العقارات السكنية المتأتية من أملاك الأجانب، في إطار تنفيذ الاتفاقيات التونسية الفرنسية، فيبلغ عددها 7645 عقاراً، تمت تسوية وضعية 3570 منها لفائدة المتسوغين أصحاب حق الأولوية في الشراء، أي 46,7%، فيما لا يزال 4075 عقاراً، أي 53,3%، في طور التسوية تحت تصرف المتصرف، وتتعهد لجنة بوزارة أملاك الدولة بالموافقة على التفويت فيها وفق الشروط القانونية.

السكن الاجتماعي أولاً.. ولكل الجهات

في ملف السكن الاجتماعي، أعلن الوزير أنه تم في إطار الكراء المملّك توفير حوالي 12 هكتاراً، تتوزع على ولايات بن عروس ومنوبة ونابل وقابس وبنزرت وأريانة، بعد صدور أوامر بالتفويت فيها بالدينار الرمزي لفائدة الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية وشركة النهوض بالمساكن الاجتماعية.

وشدّد على أن هذا الامتياز يجب أن يشمل كل ولايات الجمهورية، وخاصة الولايات الداخلية، مؤكداً أن ذلك ليس شعبوية بل حق، وأن الوزارة حرصت على أن يمتد التخصيص إلى كامل التراب الجمهوري، سواء لتوفير السكن أو لإحداث معامل في القصرين وجندوبة وغيرهما.

وأضاف أنه من المزمع في سنة 2027 التفويت في حوالي 15 هكتاراً لفائدة الشركتين المذكورتين، بالدينار الرمزي، بعد صدور الأوامر المرخّصة في ذلك.

وفي إطار البرنامج الخصوصي للسكن الاجتماعي، تم التفويت في 59 هكتاراً بالدينار الرمزي منذ انطلاق البرنامج سنة 2012، ومن المزمع التفويت في حوالي 22 هكتاراً خلال سنة 2027.

السعر التفضيلي بـ70% تخفيضاً مقابل 50% للفئات محدودة الدخل

وتوقف الهذيلي عند آلية السعر التفضيلي لفائدة الوكالة العقارية للسكنى، موضحاً أنها تعني خصم 70% من القيمة التي يحددها خبير أملاك الدولة، شريطة تخصيص 50% من المقاسم المهيأة لفائدة الفئات محدودة الدخل.

ووفق عرض الوزارة، تم في سنة 2026 توظيف 27 هكتاراً و72 آراً و30 صنتياراً كائنة بولايتي بن عروس وأريانة بالسعر التفضيلي، على أن تطبّق الوكالة هذا التخفيض عند تحديد سعر بيع المقاسم للفئات المعنية.

ومن المزمع التفويت في حوالي 127 هكتاراً لفائدة الوكالة خلال سنة 2027، بعد استيفاء جميع الإجراءات القانونية، وذلك طبقاً للفصل 30 من المرسوم عدد 68 لسنة 2022.

جرد الأصول

ومن بين آليات حماية ملك الدولة، أشار الوزير إلى برنامج جرد وتقييم الأصول الثابتة المادية للدولة، الذي يمكّن في مرحلة أولى من توظيف العقارات توظيفاً اقتصادياً واجتماعياً.

وقال إن الوزارة قامت بجرد 11271 عقاراً إلى موفى سبتمبر 2026، منها 6630 عقاراً فلاحياً، و4641 مبنى إدارياً ومسكناً إدارياً وأرضاً بيضاء. ومن المتوقع جرد 3000 عقار إضافي في سنة 2027 في كامل تراب الجمهورية.

ويهدف البرنامج، وفق القانون الأساسي للميزانية عدد 15 لسنة 2019، إلى جرد وتقييم 51 ألف رسم عقاري في مرحلة أولى، إلى جانب جلب عقارات أخرى غير مسجلة، حتى يتسنى توظيفها وتثمينها وحمايتها من الاعتداءات.

من المثال الورقي إلى البوابة الجغرافية

وفي مشروع تطوير البوابة الجغرافية لأملاك الدولة العقارية، أكد الهذيلي أن نسبة التقدم تبلغ حوالي 40 ألف هكتار تم رسمها إلى حدود أكتوبر 2026، وأن حوالي 84 ألف هكتار بصدد الإنجاز، والهدف بلوغ 160 ألف هكتار في سنة 2027.

وأوضح أن المثال العقاري قد يبدو صعباً عند الاطلاع عليه، لأنه أُنجز على قواعد علمية صحيحة ونقاط مضبوطة، وأن أعمال ديوان قيس الأراضي تبقى لها قيمة قانونية وعلمية كبيرة، حتى بعد مرور عشرين سنة على المعاينة الميدانية.

وأضاف أن الرقمنة تعني أن الأمثلة موجودة وسيبقى ترقيمها علمياً، وأن المشروع انطلق بالعقارات الدولية الفلاحية على أن يتم استكمالها كلها، وبعد الانتهاء منه، سيتمكن المواطن والإدارة والمستثمر من الدخول إلى البوابة والاطلاع على حالة كل عقار، بما يدعم الشفافية والحوكمة وحسن التوظيف وحماية الرصيد العقاري.

وتبلغ مدة إنجاز المشروع 26 شهراً بداية من 13 ماي 2026، موزعة على 4 مراحل، في إطار صفقة بالتفاوض المباشر بين وزارة تكنولوجيات الاتصال والمركز الوطني لرسم الخرائط والاستشعار عن بعد.

صدور أمر التجمعات السكنية دون اعتبار الجوانب الفنية

وفي ملف تسوية وضعيات التجمعات السكنية القديمة المقامة على ملك الدولة الخاص، قال الهذيلي بصراحة: "إن الأمر الحكومي عدد 504 لسنة 2018 المؤرخ في 7 جوان 2018 صدر دون الأخذ بعين الاعتبار الجوانب الفنية، مما أدى إلى فشله".

وأكد أن الوزارة وجدت الحلول، مشيراً إلى أن هناك 1200 تجمع سكني معني بالتسوية، من بينها حوالي 450 تجمعاً سكنياً عقاراتها ذات صبغة عمرانية مشمولة بأمثلة التهيئة العمرانية وتنفرد الدولة بملكيتها، وحوالي 750 تجمعاً سكنياً تتوقف تسويتها على تغيير صبغتها الفلاحية، وإفراز مناب الدولة من العقارات المشاعة، والبتّ في النزاعات المتعلقة بها.

وأوضح أن الإشكال فني بالأساس؛ لأن التسوية لا تتم لوضعية فردية، بل يجب تقسيم التجمع السكني كله، وما يتطلبه ذلك من جهد ومال؛ لأن ديوان قيس الأراضي لا يقوم بذلك مجاناً، باعتباره ديواناً مستقلاً إدارياً ومالياً.

وأضاف أن للتسوية جانباً اجتماعياً يتمثل في الطمأنينة عندما يكون للمواطن سند ملكيته، وجانباً اقتصادياً يتمثل في دخول العقار في الدورة الاقتصادية، لكن الإشكال يبرز عندما تنفق الدولة آلاف الدنانير على التقسيم، ويمر الملف عبر لجان متعددة، ثم يأتي في النهاية اثنان أو ثلاثة أو خمسة أشخاص فقط للتسوية، بينما كان الهدف تسوية وضعيات كل متساكني التجمع، وفق تعبيره.

وختم الوزير بأن الوزارة تتنقل إلى الجهات في نطاق التفقد لحل هذه الوضعيات، وقال إنه تم إعداد مشروع قانون يتعلق بضبط صيغ وشروط تسوية وضعيات التجمعات السكنية القديمة المقامة على ملك الدولة الخاص.

 

الحبيب وذان