'بحر آمن 26'.. الجيش الوطني يختبر جاهزيته في تمرين بحريّ موسّع
عنصر مسلّح يحتجز ركابا داخل مطعم باخرة ''قرطاج'' التي تبحر من تونس إلى مارسيليا، ومُصاب يحتاج إلى إجلاء عاجل، وحريق يستوجب تدخل الوحدات البحرية، ثم نداء استغاثة يفتح مرحلة البحث والإنقاذ.
في خليج تونس، يضع الجيش الوطني التونسي وحداته أمام هذه الأخطار ضمن سيناريو محاكاة متكامل، تتقدم فيه فرق العمليات الخاصة، وتتدخل المروحية، وتتوزع المهام بين البحر والجو وقاعات العمليات. هنا تختبر شجاعة الرجال وانضباطهم، وتُقاس الجاهزية بالقدرة على حماية الأرواح حين تتزاحم الطوارئ.
وتندرج هذه العمليات ضمن النسخة الثالثة من التمرين البحري الموسع ''بحر آمن SAFE SEA 26''، الذي ينظمه جيش البحر بخليج تونس من 26 إلى 30 أكتوبر 2026. وقد أشرف وزير الدفاع الوطني خالد السهيلي، يوم الثلاثاء 27 أكتوبر، على فعاليات يومه المميز، بحضور إطارات عسكرية سامية وممثلين عن وزارات وهياكل وطنية، إلى جانب ملاحظين من بحريات دول شقيقة وصديقة.
وتبدأ الحكاية، وفق السيناريو المبرمج، بمعلومة مؤكدة: عنصران خطيران من ذوي السوابق العدلية والمفتش عنهما موجودان ضمن قائمة مسافري باخرة "قرطاج"، المبحرة من الميناء التجاري بحلق الوادي في اتجاه مارسيليا. يتطور التهديد حين يشهر أحدهما سلاحا ناريا، ويحتجز الركاب الموجودين بالمطعم، ويطلق النار على النادل، في محاولة لإجبار ربان السفينة على مواصلة الإبحار.

وأمام هذا الطّارئ الافتراضي، يتولى جيش البحر توجيه فرق تابعة لوحدة العمليات الخاصة، على متن مروحية ووحدات عائمة، لتنفيذ عملية إنزال واقتحام وتفتيش على الباخرة في مهمة تختبر قدرة العسكريين على التدخل في فضاء مدني حساس، وعلى الجمع بين مواجهة التهديد وتأمين السفينة وحماية من على متنها.
وفي هذا المشهد تتصدر جهود أبناء الجيش الوطني واجهة التمرين: تدريب متواصل، واستعداد لمهمات تتطلب الدقة ورباطة الجأش وتحمل المسؤولية. فحماية الركاب تستوجب تقديرًا سليمًا للموقف، وتنسيقًا بين المتدخلين، وقدرة على التعامل مع تطورات قد تفرض قرارات عاجلة.
وتتواصل المحاكاة بمرحلة الإجلاء الصحي الجوي. تتولى مروحية إجلاء مصاب من على متن "قرطاج"، في اختبار للتكامل بين التدخل البحري والإسناد الجوي. إنقاذ المصاب هنا جزء من سلسلة تبدأ بتقدير الوضع وتنسيق الوسائل، وتستمر إلى نقله بعيدًا عن مصدر الخطر.
ثم يأتي دور مقاومة حريق على متن السفينة. يسند جيش البحر وديوان البحرية التجارية والموانئ الباخرة بوحدات بحرية لمكافحة الحريق. وتتوسع دائرة التدخل مع مرحلة البحث والإنقاذ البحريين، حين يتولى المركز الوطني لتنسيق عمليات البحث والإنقاذ البحريين تفعيل خلية التنسيق الوطنية وتنسيق عملية إنقاذ كبرى مع مختلف الأطراف المتدخلة.

من احتواء التهديد إلى نجدة المصابين ومقاومة الحريق وإنقاذ المنكوبين، يمتحن السيناريو قدرة منظومة كاملة على العمل بانسجام، ويضع جهود الوحدات العسكرية وإمكاناتها في خدمة غاية واحدة: حماية الحياة في البحر.
وشمل برنامج اليوم المميز زيارة المركز الوطني لتنسيق عمليات البحث والإنقاذ البحريين، وعرضا تطبيقيا على متن باخرة نقل المسافرين "قرطاج"، يحاكي اقتحام السفينة وتفتيشها، والتدخل لإخماد حريق على متنها، وإجلاء الجرحى. وفي تفاصيل هذه الأنشطة تظهر قيمة الجهد الذي تبذله الوحدات العسكرية لتطوير قدراتها، وتثبيت إجراءات التدخل، والاستعداد لحوادث قد تتبدل طبيعتها خلال العملية الواحدة.
التصدّي للتلوّث البحري وحماية التراث المغمور
ولا يقف التمرين عند أمن السفن ونجدة ركابها. فسيناريو ثان ينقل الاختبار إلى خطر التلوث البحري: إشعار يصل إلى قاعة عمليات المصلحة الوطنية لخفر السواحل يفيد بتعرض ناقلة محروقات لهجوم، تسبب في أضرار بخزانات الوقود وحدوث تلوث بحري بالموقع المحدد في السيناريو.
وتبدأ سلسلة الاستجابة بالتنسيق مع وزارة البيئة وتفعيل المخطط الوطني للتدخل العاجل وإرسال إشعار بالتلوث. وتوجّه طائرة دون طيار لتقدير امتداد رقعته، فيما تتولى وحدة بحرية عائمة، على متنها ممثل عن الوكالة الوطنية لحماية المحيط، المعاينة الأولية. ليختبر التمرين القدرة على قراءة الخطر مبكرًا وتوجيه الوسائل المناسبة، لحماية الوسط البحري والثروة التي ترتبط به ومصالح من يعيشون منه. فحادث يصيب سفينة قد تتجاوز تداعياته حدودها، لتصبح سرعة التنسيق عنصرًا أساسيًا في مواجهة آثاره.

أما السيناريو الثالث فيتجه إلى أعماق البحر، حيث يمتد واجب الحماية إلى التراث الثقافي المغمور بالمياه. ترصد منظومة مراقبة مراكب الصيد عبر الأقمار الصناعية مركبا يمارس الصيد في منطقة محجرة، مع الاشتباه في تورطه في أنشطة ممنوعة تتعلق بالتراث المغمور. إذ توجّه وحدة بحرية لتحويل وجهة المركب، وعند الوصول يكتشف مركب ترفيهي على متنه أوان فخارية، مع وجود غواص بالماء. ثم تجرى معاينة ميدانية ثانية بمشاركة ممثلين عن وزارة الثقافة، ويؤشّر الموقع، ويتولى خبراء المعهد الوطني للتراث وغواصوه التعامل مع المحجوز وإجراءات رفع المخالفة في مهمّة تكشف اتساع مفهوم الأمن البحري: حماية الإنسان والسفينة والبيئة، وصون الذاكرة التاريخية التي تحتفظ بها الأعماق.
ويجمع التمرين العسكري ''بحر آمن 26'' بين هذه التطبيقات الميدانية وورشات العمل والمحاضرات. فإلى جانب التدريب في عرض البحر، يتناول البرنامج التعامل مع التراث المغمور وإجراءات حمايته واستخراجه، والطوارئ البيئية والتلوث البحري، والمنظومة الوطنية للبحث والإنقاذ، والإحاطة النفسية بالمكروبين. ويمنح هذا التنوع المشاركين فرصة لفهم الأدوار المتداخلة قبل اختبارها ميدانيا.
وبقيادة جيش البحر، تشارك في التمرين هياكل من الدفاع الوطني والداخلية والمالية والصحة والنقل والشؤون الثقافية والبيئة. تلتقي قدرات جيش البحر وجيش الطيران والصحة العسكرية مع الحرس الوطني والحماية المدنية والديوانة، ومركز العمليات الصحية الاستراتيجية، وديوان البحرية التجارية والموانئ والشركة التونسية للملاحة، والمعهد الوطني للتراث والوكالة الوطنية لحماية المحيط.

ويرافق التمرين، ملاحظون من بحريات الجزائر ومصر وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية. وتتمثّل غايته الأساسية تطوير قدرة الهياكل الوطنية على التدخل المشترك، وتقييم جاهزيتها ومدى تكاملها عند مواجهة الحوادث والتهديدات البحرية.
وأكّد وزير الدفاع الوطني أن النسخة الثالثة تندرج في إطار تعزيز التعاون والتنسيق، وتطوير القدرات على التصدي للأعمال غير المشروعة والنجدة والإنقاذ والاستجابة للتلوث، وحماية الأرواح والممتلكات والتراث الثقافي المغمور بالمياه في المجال البحري الخاضع للسيادة والولاية التونسية. وثمّن جهود الوحدات والهياكل المشاركة وما أظهرته من كفاءة وجاهزية وحسن تنسيق، مؤكدا أهمية التمرين في الوفاء بالتزامات تونس ضمن المنظمة البحرية الدولية.
ويحضر البعد التنظيمي من خلال تطبيق مقتضيات الأمر عدد 181 لسنة 2024 المؤرخ في 5 أفريل 2024، المتعلق بتنظيم البحث والإنقاذ البحريين. ليساهم التمرين في التحضير للمخطط الوطني للبحث والإنقاذ، وضبط إجراءات عمل موحدة وآليات تنسيق بين المتدخلين، بما يجعل وصول المعلومة وتحريك الوسائل وتوزيع الأدوار حلقات مترابطة في الاستجابة للطوارئ.
وفي هذه السلسلة، يبرز دور المواطن الذي تضع السّلطات على ذمّته الرقم الأخضر ''196''، المخصص للتبليغ عن حالات الاستغاثة والحوادث بالبحر، فالنداء الذي يصل في الوقت المناسب يمكن أن يكون بداية تحرك وحدات النجدة نحو من يحتاج إليها.
في "بحر آمن 26"، يتدرب أبناء الجيش الوطني التونسي على مواجهة الخطر قبل أن يفرض نفسه في حادث حقيقي. على متن السفن، وفي الجو، وداخل مراكز التنسيق، تبنى الجاهزية بجهد الرجال وتكامل الاختصاصات وتكرار التدريب. ومن الاقتحام إلى الإجلاء، ومن مقاومة الحريق إلى حماية البحر وتراثه، تظل الأرواح التي تنتظر النجدة هي المعنى الأعمق لكل هذا الاستعداد.
الواثق بالله شاكير