languageFrançais

الرابحي: إصلاح السياسة المائية ليس متأخرا لكنه عاجل

لم يعد شحّ المياه في تونس مجرد مسألة مرتبطة بالجفاف أو بنسب امتلاء السدود، بل أصبح تحدياً يطال الفلاحة والتزويد بالماء الصالح للشراب والسياحة والصناعة والاقتصاد ككل.

ومع تزايد الضغط على الموارد المائية وتداعيات التغيرات المناخية، يضع تقرير حديث للبنك الدولي الأمن المائي في صلب مستقبل الاقتصاد التونسي، في وقت يحذّر فيه كاتب الدولة السابق للموارد المائية والخبير في المياه عبد الله الرابحي من أن البلاد توجد «في منطقة حمراء وضوء أحمر شديد التوهّج».

وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع صدور تقرير البنك الدولي «تحدّي المياه في تونس: من الندرة إلى القدرة على التكيّف» في سبتمبر 2026، والذي يربط بين ندرة المياه والنمو الاقتصادي ومواطن الشغل، ويشير إلى أن تونس تتوفر حالياً على نحو 380 متراً مكعباً من المياه العذبة المتجددة للفرد سنوياً، أي دون عتبة الندرة المطلقة المحددة دولياً في 500 متر مكعب. كما ينبّه التقرير من أن تغير المناخ وتزايد الطلب سيزيدان الضغط على الموارد المائية المحدودة أصلا.

لكن في المقابل أشار التقرير إلى أن التحسن الذي شهدته معدلات الأمطار ومستويات السدود خلال العام الماضي وفّر انفراجاً مؤقتاً مرحباً به على المدى القصير، لكنه لا يغيّر من طبيعة التحدي المائي طويل الأمد الذي تواجهه تونس إذا لم يتمّ الشروع في تنفيذ خطة مائية عاجلة.

مؤشرات مقلقة نوعا ما

وقال الرابحي إن المؤشرات على تفاقم الأزمة أصبحت واضحة، من ارتفاع درجات الحرارة إلى الإشكاليات المسجلة على مستوى التزويد بالمياه والضغوط المتزايدة على القطاع الفلاحي.

وأضاف أن تداعيات الوضع المائي بدأت تنعكس أيضا على السوق والأسعار، باعتبار أن نقص المياه يؤثر، في كثير من الأحيان، على الإنتاج الفلاحي.

ويرى البنك الدولي أن تأثير ندرة المياه يتجاوز القطاع الفلاحي ليشمل قطاعات أخرى مرتبطة بالمياه، من بينها الصناعة والصناعات الغذائية، وهو ما يجعل الأمن المائي مرتبطا بشكل مباشر بالاقتصاد وفرص العمل.

"التقرير أعاد تشخيص الواقع "

وفي تعليقه على تقرير البنك الدولي، اعتبر الرابحي أن ما ورد فيه "لم يأتِ بشيء جديد"  وأن أغلب الإشكاليات المطروحة سبق أن تناولتها الدراسات التونسية، وخاصة دراسة "الماء في أفق 2050".

وأشار إلى أن من أبرز الإشكاليات التي تم التطرق إليها الاستغلال المفرط للموارد المائية الجوفية، إلى جانب محدودية استغلال المياه المعالجة.

وتشير توصيات البنك الدولي بدورها إلى ضرورة تحسين إدارة الطلب على المياه، والحد من ضياعها في الشبكات، وتطوير إعادة استعمال المياه المعالجة، إلى جانب تحسين حوكمة القطاع واستدامته المالية.

استغلال المياه وتثمينها

وشدد الرابحي على ضرورة تحسين تثمين المياه في القطاع الفلاحي، من خلال التوجه نحو الزراعات التي تحقق مردودية أكبر مقارنة بكميات المياه المستعملة.

كما أشار إلى ضرورة مواصلة العمل على تنويع مصادر المياه، وخاصة تحلية مياه البحر، إلى جانب إعادة استعمال المياه المعالجة، باعتبار أن الموارد التقليدية أصبحت تحت ضغط متزايد.


وفي هذا السياق، أشار البنك الدولي إلى أن الاستثمار في البنية التحتية وحده لا يكفي، بل يجب أن يترافق مع إصلاحات في الحوكمة وتحسين أداء المؤسسات وتقليص الخسائر في الشبكات وتعزيز إدارة الري.

الجفاف يهدد المناطق الريفية

وحذّر الرابحي من تداعيات استمرار الوضع الحالي في غياب مراجعات كبرى، وخاصة على مستوى الحوكمة.

وأشار، بالاستناد إلى الدراسات المتعلقة بآفاق سنة 2050، إلى أن عدد سكان تونس قد يبلغ 13.8 مليون نسمة، مع احتمال تزايد النزوح من المناطق الريفية نحو المدن نتيجة الجفاف وتراجع سبل العيش.

وأضاف أن الدراسات تشير إلى إمكانية فقدان القطاع الفلاحي نحو 30% من مواطن الشغل بحلول سنة 2050، مع تراجع الناتج الوطني الإجمالي نتيجة نقص المياه.

ويتقاطع هذا التحذير مع تقديرات البنك الدولي، الذي يقدّر أن ندرة المياه قد تؤدي إلى انخفاض الناتج الداخلي الخام بحلول سنة 2050، وأنها قد تتسبب في فقدان ما لا يقل عن 30% من مواطن الشغل الفلاحية إذا لم يتم التحرك.

أزمة تتجاوز الفلاحة

وشدد الرابحي على أن تأثير أزمة المياه لن يقتصر على القطاع الفلاحي، بل سيشمل قطاعات أخرى، من بينها السياحة والصناعة. وأوضح أن انتظام التزويد بالمياه يمثل عاملاً مهماً بالنسبة إلى النشاط السياحي. 

كما أشار إلى أن القطاع الصناعي يحتاج بدوره إلى موارد مائية منتظمة، مؤكداً أن "إذا لم يكن لديك ماء لا تستطيع أن تنهض بقطاع الصناعة".

واعتبر محدثنا أن النظرة إلى المياه يجب أن تتغير، قائلاً إن الماء لم يعد ملفاً مرتبطاً بالقطاع الفلاحي وبالماء الصالح للشراب فقط، بل أصبح عنصراً أساسياً في مختلف الأنشطة الاقتصادية وفي المحافظة على المحيط.

تأهيل منظومة المياه

وفي ما يتعلق بكلفة إصلاح منظومة المياه، قال الرابحي إن الدراسات تقدر الحاجيات إلى حدود سنة 2050 ما يعادل حوالي 73 مليار دينار، معتبراً أن هذا المبلغ يفوق قدرة وزارة واحدة على تحمّله.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تنفيذ «خطة الماء 2050» يتطلب استثمارات في حدود 900 مليون دولار سنوياً إلى منتصف القرن، مع التأكيد على أن الاستثمار يجب أن يترافق مع إصلاحات مؤسساتية ومالية حتى تكون له نتائج مستدامة.

كما تطرق الرابحي إلى مسألة كلفة المياه وتسعيرها، مشيراً إلى أن كلفة المياه بالنسبة إلى الدولة تصل، وفق المثال الذي قدمه، إلى 1700 مليم، في حين يتم بيعها بـ200 مليم، معتبراً أن هذا الفارق يؤدي إلى خسائر.

ضياع المياه في الشبكات والري

وتطرق الرابحي كذلك إلى نسب ضياع المياه، مشيراً إلى أن الدراسات التي يستند إليها تقدّر نسبة الضياع في شبكة الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (الصوناد) بنحو 32%، مقابل 47% في القطاع الفلاحي.

وأكد أن تقليص هذه الخسائر يتطلب تجديد شبكات المياه والقنوات والمنشآت، قائلاً إنه لا يمكن مطالبة المؤسسات بتحسين مردودية الشبكات من دون توفير الإمكانيات اللازمة لتجديدها وصيانتها.

ويضع تقرير البنك الدولي بدوره الحد من خسائر شبكات المياه ضمن الإجراءات الأساسية لتحسين الأمن المائي، إلى جانب تحديث البنية التحتية والرقمنة وتحسين أداء المؤسسات المزودة.

الحوكمة ومجلة المياه

وأكد الرابحي أن معالجة أزمة المياه لا يمكن أن تتم من دون إصلاح الحوكمة، معتبراً أن أول عناصر الحوكمة يتمثل في الإطار القانوني.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن مجلة المياه تعود إلى سنة 1975، معتبراً أن عدداً من النصوص لم يعد يواكب الواقع الحالي وأن بعض المقتضيات «تجاوزها الزمن».

ودعا إلى وضع خطة واضحة للتحلية، وتحديد آجال استكمال مراجعة مجلة المياه، وإعادة النظر في حوكمة قطاع المياه ككل، إلى جانب وضع خطة عمل سنوية تشمل مختلف مكونات القطاع.

ويتضمن تقرير البنك الدولي توصيات في الاتجاه نفسه، من بينها تحديث مجلة المياه، ووضع إطار لإعادة استعمال المياه المعالجة، وتحسين استرجاع كلفة الخدمات مع حماية الفئات الهشة، إلى جانب تحسين أداء مؤسسات المياه.

نقص الكفاءات داخل الإدارة

ولفت الرابحي أيضاً إلى النقص المسجل في الموارد البشرية والكفاءات داخل الإدارة، نتيجة الإحالات على التقاعد ومغادرة عدد من الإطارات.

وقدم مثالا على أن الإدارة كانت تضم 5 مهندسين لكن لم يعد فيها حاليا سوى مهندس واحد، متسائلاً: "ومن سيستلم المشعل؟"

ويرى أن تدعيم الإدارة أصبح ضرورة لضمان متابعة المشاريع وتنفيذ السياسات المائية، خاصة في ظل ارتفاع حجم التحديات والاستثمارات المطلوبة.

شراكة وتمويلات ضخمة

وبالنظر إلى حجم التمويلات الضرورية، طرح الرابحي إمكانية توسيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، معتبراً أن الدولة غير قادرة بمفردها على توفير كل الإمكانيات المطلوبة.

وأشار إلى أن حاجيات الاستثمار المقدرة بـ73 مليار دينار إلى حدود أفق 2050 تعني توفير مبالغ كبيرة سنوياً، مقدماً مثالاً بالديوان الوطني للتطهير، حيث قال إن الاستثمارات اللازمة للمياه المعالجة تتطلب نحو مليار دينار سنوياً على مدى 30 سنة وهو مبلغ تعجز الإدارة عن توفيره.

ومن جهته، أطلق البنك الدولي خلال سنة 2026 برنامجاً للأمن المائي والقدرة على التكيّف في تونس، تبلغ قيمة تمويله الإجمالية 700 مليون دولار على مدى 10 سنوات، مع تركيز المرحلة الأولى على الماء الصالح للشراب والري، على أن تشمل مرحلة لاحقة قطاع التطهير وإعادة استعمال المياه المعالجة.

ونص تقرير البنك الولي على أن   الأمن المائي لاىيقتصر فقط على التخفيف من المخاطر، بل يمثل أيضاً فرصة لخلق مواطن الشغل وتعزيز الصمود الاقتصادي حيث من المتوقع أن يُسهم برنامج الصمود والأمن المائي (RESEau) المدعوم من مجموعة البنك الدولي، وهو مبادرة رئيسية لتعزيز صمود قطاع المياه في تونس، في خلق نحو 4 آلاف فرصة عمل دائمة 13 ألف و400  فرصة عمل مؤقتة خلال مرحلته الأولى فحسب.

"المياه ملف لا يقبل الانتظار أكثر"

ومن جهته، شدد الرابحي على أن تونس لا تعاني من نقص في الدراسات المتعلقة بالمياه، قائلاً: «المياه لا يلزمنا أن ننتظر بشأنها، الدراسات موجودة وكل ما يجب فعله الآن هو  الجرأة».

كما أكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ، من خلال وضع خطة واضحة تشمل التحلية، وإعادة استعمال المياه المعالجة، وتأهيل الشبكات، وتطوير القطاع الفلاحي، وإصلاح الحوكمة، وتدعيم الإدارة بالكفاءات.
ولترجمة الإستراتيجيّة الحكومية " المياه 2050"، التي تتوخى استثمارات تناهز 900 مليون دولار أمريكي سنوياً حتى منتصف القرن، إلى نتائج مستدامة، أوصى التقرير بضرورة أن تقترن الاستثمارات في البنية التحتية بتدابير تعزز حوكمة قطاع المياه، وتحسّن الاستدامة المالية، وترفع من أداء مقدمي الخدمات.

ودعا الرابحي الى ضرورة أن تحظى الإصلاحات المتعلقة بالمياه بمساندة الرأي العام، وأن يكون هناك " إجماع وطني" حول الخيارات الكبرى للسياسة المائية، باعتبار أن حجم التحديات لم يعد يسمح، وفق تقديره، بمواصلة تأجيل القرارات مؤكدا على أن الخوض في الإصلاحات ليس متأخرا مقارنة بدول الجوار.


بشرى السلامي