منتجات صحية على الإنترنت بدفع من الخوارزميات.. من يراقب؟
لم يعد اقتناء المكملات الغذائية والمنتجات الصحية يمر بالضرورة عبر الصيدلية أو تحت إشراف مهني في مجال الصحة، إذ باتت مواقع التواصل الاجتماعي فضاءً واسعًا لعرض هذه المنتجات والترويج لها، مستفيدة من المؤثرين والإعلانات الممولة والخوارزميات التي تلاحق اهتمامات المستخدمين.
وتتجاوز المسألة مجرد بيع منتج عبر الإنترنت، عندما يتعلق الأمر بمواد يتم تقديمها على أنها قادرة على تحسين الصحة أو التخفيف من أعراض بعض الأمراض، أو حتى علاج حالات صحية معقدة. وهنا يطرح السؤال نفسه: من يتحمل مسؤولية المعلومة التي تصل إلى المستهلك؟ ومن يضمن سلامة المنتج الذي يشتريه؟
وتطرح هذه الظاهرة جملة من التساؤلات المتعلقة بسلامة المنتجات المعروضة، ومدى خضوعها للرقابة، والجهات المخولة للترويج لها، فضلًا عن أساليب التأثير الرقمي المعتمدة لدفع المستهلك إلى اقتنائها.
منتجات مختلفة.. ورقابة متفاوتة
يوضح الصيدلي والرئيس السابق لنقابة أصحاب الصيدليات الخاصة، نوفل عميرة، أن الحديث عن هذه السوق يشمل عدة أنواع من المنتجات، من بينها المكملات الغذائية والمستلزمات والمواد الصحية، مشيرًا إلى أن طريقة تصنيف هذه المنتجات تختلف، وهو ما ينعكس أيضًا على طبيعة الرقابة المفروضة عليها.

ويشير إلى أن المكملات الغذائية، على سبيل المثال، ليست كلها في الوضعية نفسها من حيث المراقبة، إذ توجد منتجات تمر عبر مسارات رقابية، وأخرى قد تخضع لرقابة أقل، فيما تظل نسبة من المنتجات خارج المتابعة المطلوبة، وفق تقديره.
وهنا تكمن إحدى أبرز الإشكاليات، بحسب عميرة، إذ إن المستهلك قد يتعامل مع منتج باعتباره "صحيًا"، لمجرد أن طريقة تقديمه أو الإعلان عنه توحي بذلك، في حين أن تصنيف المنتج ومكوناته وطريقة مراقبته مسائل تقنية لا يمكن للمستهلك العادي التثبت منها بمفرده.
ويؤكد عميرة أن المسألة لا تتعلق فقط بما إذا كان المنتج "ينفع أو لا يضر"، بل بمدى خضوعه للفحص والمراقبة، خاصة عندما يكون موجهًا إلى جسم الإنسان أو يتم تناوله عن طريق الفم، باعتبار أن تأثيره قد يختلف من شخص إلى آخر.
عندما يتحول المؤثر إلى "ناصح صحي"
الإشكال، وفق عميرة، يتعقد أكثر عندما تنتقل عملية الترويج من الإعلان التجاري المباشر إلى أشخاص يقدمون أنفسهم للمستهلك باعتبارهم أصحاب تجربة أو معرفة، دون أن يكونوا بالضرورة من مهنيي الصحة.
ففي مواقع التواصل الاجتماعي، يمكن لمؤثر أن يتحدث عن منتج معين، ويعرض تجربته الشخصية معه، ثم يقدم انطباعًا حول فعاليته، وهو ما قد يدفع المتابع إلى التعامل مع هذه التجربة على أنها نصيحة صحية.
لكن عميرة يشدد على أن تقييم حاجة شخص إلى منتج معين، وخاصة عندما يتعلق الأمر بمنتج يدخل الجسم أو يمكن أن يتفاعل مع أدوية أو مع حالة صحية قائمة، يفترض وجود مهني مختص.
ويحذر من أن الخطورة ترتفع عندما يستهدف هذا النوع من التسويق أشخاصًا يعانون أمراضًا مزمنة أو حالات مستعصية، حيث يمكن أن تتحول حاجة المريض إلى الأمل في العلاج إلى فرصة تجارية.
ويقول إن بعض الخطابات التسويقية لا تتوقف عند الحديث عن الصحة العامة أو تحسين بعض الوظائف، بل تصل إلى الحديث عن أمراض يعجز الطب أحيانًا عن علاجها بشكل كامل، وهو ما قد يجعل المريض أكثر قابلية لتصديق الوعود التي تقدم له عبر الإنترنت.
أميرة عسكري: استُغل اسمي لتسويق منتج صحي
وتأخذ هذه المخاوف بعدًا أكثر واقعية مع تجربة أخصائية التغذية العلاجية أميرة عسكري، التي كشفت عن تعرضها لعملية تحيل استُغل فيها اسمها ومحتوى من تصريحاتها في الترويج لمنتج صحي عبر الإنترنت.
وتوضح عسكري أن القائمين على التسويق عمدوا إلى استخدام اسمها والاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لإعادة توظيف كلامها ووضعه في سياق إعلاني للترويج لمنتج، بما يوحي للمستهلك بأنها تؤيد المنتج أو توصي به.
وتقول إنها قامت، بالتنسيق مع عدل منفذ، بمعاينة المحتوى وتقدمت بشكاية، لتكتشف، وفق ما أفادت به، أن أرقام الاتصال المرتبطة بالمنتج كانت تعود إلى خارج تونس، وتحديدًا إلى المغرب، وأنها لا تعرف الجهة التي تقف فعليًا وراء تسويقه.
وتحذر عسكري من خطورة هذه الممارسات، خاصة أن المستهلك قد يثق في اسم المختص أو صورة الطبيب أو أخصائي التغذية، ثم يبني قراره على أساس هذه الثقة دون أن يعلم أن المحتوى قد تم التلاعب به أو استعماله خارج سياقه.
وتضيف أن بعض هذه المنتجات يتم تقديمها على أنها "طبيعية" أو قائمة على الأعشاب والخلطات، بما قد يعطي انطباعًا زائفًا بأنها غير مضرة. غير أنها تؤكد أن طبيعة المنتج لا تعني بالضرورة أنه آمن، إذ يمكن لمواد أو خلطات غير معلومة المكونات أن تكون غير نافعة أو حتى تسبب أضرارًا صحية.
وتشدد أخصائية التغذية العلاجية على أن استغلال حاجة المواطنين أو ضعفهم الصحي لتحقيق أرباح مالية يضاعف خطورة الظاهرة، داعية المستهلك إلى عدم التعامل مع المنتجات التي تظهر أمامه على مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها بديلًا عن الاستشارة الطبية أو الصيدلانية.
عز الدين التايب: الحاجة إلى تدخل تشريعي
من جانبه، يرى رئيس لجنة الصحة بالبرلمان الدكتور عز الدين التايب أن تطور التجارة الرقمية في مجال المكملات والمنتجات الصحية فرض الحاجة إلى مراجعة الإطار التشريعي المنظم لهذا القطاع.
ويشير إلى أن تنامي هذا النشاط، خاصة بعد فترة كوفيد وما رافقها من ارتفاع الاهتمام بالمكملات الغذائية، كشف عن عدد من الإشكاليات المتعلقة بمكونات المنتجات، ومصادرها، وأماكن تصنيعها، وطريقة الترويج لها.
ويطرح التايب أسئلة أساسية حول المنتجات التي تصل إلى المستهلك: من أين جاءت؟ أين صنعت؟ وما الذي تحتويه؟ وهل تخضع للتحليل والمراقبة قبل وصولها إلى المواطن؟
ويعتبر أن هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصة أساسية للإشهار، خصوصًا في ظل وجود مؤثرين يقدمون منتجات معينة من خلال تجارب شخصية أو شهادات حول تحسن حالتهم الصحية.

كما يشير إلى أن الإشكال لا يقتصر على المكملات الغذائية، بل يمتد إلى بعض المواد والخدمات ذات الصلة بالصحة والتجميل، داعيًا إلى تطوير أدوات تشريعية تواكب هذه الممارسات.
من الإعلان إلى الذكاء الاصطناعي
ولا تتوقف الإشكالية عند المؤثرين، إذ يشير التايب إلى ظهور وسيلة جديدة يمكن أن تزيد من صعوبة التثبت من حقيقة الرسائل الصحية المتداولة، وهي الذكاء الاصطناعي.
فبإمكان المحتوى المصنوع أو المعزز بالذكاء الاصطناعي أن يقدم رسائل تبدو مقنعة للمستخدم، وتوحي بوجود نتائج أو فوائد صحية لمنتج معين.
وتتضح خطورة هذا الأمر أكثر عندما يتم استخدام صورة أو اسم شخص معروف أو مختص في مجال الصحة، وإعادة تركيب كلامه أو إخراجه من سياقه، بما يوحي بأنه يزكي منتجًا لم يتحدث عنه أصلًا، وهي النقطة التي تعكسها تجربة أميرة عسكري.
ويطرح ذلك تحديًا إضافيًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بأمراض القلب أو الأمراض المزمنة أو غيرها من الحالات التي تتطلب تشخيصًا ومتابعة طبية، بينما يجد المواطن نفسه أمام فيديو قصير أو إعلان يوحي له بأن منتجًا معينًا يمكن أن يقدم له الحل.
ويعتبر التايب أن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في بيع منتج غير مناسب، وإنما في تغيير سلوك المستهلك الصحي، عندما يقتنع بأن الإعلان أو تجربة المؤثر يمكن أن تحل محل الطبيب أو الصيدلي.
كيف تعمل التكنولوجيا على دفع المستهلك إلى الشراء؟
من الجانب التقني، يشرح الخبير في الأمن السيبراني بسام اللموشي أن المستخدم لا يرى بالضرورة الإعلان بالصدفة.
فالمنصات الرقمية تعتمد على ما يبحث عنه المستخدم وما يشاهده وما يتفاعل معه، ثم تستخدم هذه المعطيات لتحديد نوع المحتوى والإعلانات التي يمكن أن تجذب انتباهه.
وبالتالي، إذا أبدى شخص اهتمامًا بموضوع صحي معين، يمكن أن يبدأ في رؤية مزيد من المحتويات والإعلانات المرتبطة بالموضوع نفسه، بما في ذلك منتجات يتم تقديمها على أنها قد تساعد في معالجة المشكلة التي يبحث عنها.
وهنا يصبح تأثير الخوارزميات جزءًا من عملية التسويق؛ فبدل أن ينتظر البائع وصول المستهلك إلى المنتج، تساعد التكنولوجيا على إيصال المنتج إلى المستخدم الذي يُعتقد أنه أكثر قابلية للاهتمام به.
ويلفت اللموشي كذلك إلى دور الإعلانات المدفوعة، إذ يمكن للجهات التي تقف وراء هذه المنتجات أن تنفق أموالًا لتعزيز ظهور محتواها على شبكات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، ما يرفع من فرص وصوله إلى جمهور أوسع.
بين المؤثر والخوارزمية.. قرار الشراء ليس دائمًا عفويًا
وتتداخل في هذه العملية عدة عناصر، تتمثل أساسًا في إعلان ممول، ومؤثر يعرض تجربة شخصية، وخوارزمية تقترح المحتوى، وربما فيديو مصمم أو معدل بالذكاء الاصطناعي.
وبذلك، قد يجد المستهلك نفسه أمام سلسلة متكررة من الرسائل التي تدفعه في الاتجاه نفسه، إلى أن يتحول الاهتمام بمنتج معين إلى رغبة في اقتنائه.
وفي بعض الحالات، لا يكون المستهلك أمام إعلان واضح ومباشر، وإنما أمام محتوى يبدو في ظاهره نصيحة أو تجربة شخصية أو معلومة صحية، وهو ما يجعل التمييز بين المحتوى التوعوي والتجاري أكثر صعوبة.
وهذا تحديدًا ما يجعل بيع المنتجات الصحية مختلفًا عن الترويج لسلعة عادية، لأن القرار هنا قد يكون مرتبطًا بالخوف من المرض، أو الرغبة في العلاج، أو البحث عن حل سريع لمشكلة صحية.

من يراقب السوق الرقمية؟
في المقابل، يؤكد نوفل عميرة أن الدولة مطالبة بالتحرك بشكل أكثر فاعلية عبر الرقابة والتشريع، معتبرًا أن تنظيم هذا المجال يجب أن يأخذ بعين الاعتبار قبل كل شيء سلامة المستهلك وصحته.
كما يشدد على أن الترويج للأدوية يخضع في تونس لضوابط واضحة، وأن الحديث عن الدواء وتقديم المعلومات بشأنه يجب أن يكون من اختصاص المهنيين المؤهلين، مع وجود حالات محددة تتعلق بالإشهار من قبل المخابر وفق الأطر المنظمة لذلك.
لكن الإشكال، وفق التصريحات، يظهر بشكل أكبر في المنطقة التي تتداخل فيها المكملات الغذائية والمنتجات الصحية والتجميلية مع الإعلانات الرقمية، وهي منطقة تتطور فيها الممارسات بسرعة أكبر من قدرة التشريع والرقابة على مواكبتها.
وتكشف تجربة أميرة عسكري، إلى جانب ما طرحه عميرة والتايب واللموشي، أن التحدي لم يعد متعلقًا فقط بالمنتج نفسه، وإنما أيضًا بالطريقة التي يصل بها إلى المستهلك، وبالمحتوى الذي يُستخدم لإقناعه بشرائه.
ولا تبدو المسألة مرتبطة فقط بمنع منتج أو حجب إعلان، وإنما بضمان أن المعلومة الصحية التي تصل إلى المواطن صحيحة، وأن المنتج الذي يشتريه معروف المصدر وخاضع للرقابة، وأن اسمه أو اسم المختصين لا يُستغل لبناء ثقة زائفة تدفعه إلى الشراء.
كريم وناس