قطارات صينية جديدة في تونس بتمويل من البنك الأوروبي
في الوقت الذي تشتد فيه حدة التنافس الجيوسياسي والاقتصادي في شمال إفريقيا بين القوى الكبرى، يثير مشروع تحديث السكك الحديدية التونسية جدلاً واسعاً ومعضلة سياسية وصناعية بالغة الحساسية، تضع آليات التمويل الأوروبية في مواجهة النفوذ التجاري المتنامي لبكين.
بالنسبة لبروكسل، تُعتبر هذه المسألة بالغة الحساسية لأن شمال أفريقيا تُشكّل حاليًا إحدى ساحات التنافس الرئيسية بين الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة ودول الخليج وروسيا وتركيا. وتُعدّ تونس، على وجه الخصوص، شريكًا استراتيجيًا لبروكسل في حوض البحر الأبيض المتوسط، إلا أن المفارقة اليوم تكمن في أن جزءًا من الفوائد الصناعية للمشاريع المدعومة أوروبياً يذهب إلى مجموعة صينية تسيطر عليها الدولة.
تمويل أوروبي.. وصناعة صينية
وفي تفاصيل هذا الملف، يموّل البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير (EBRD) مشروعًا لتطوير السكك الحديدية في تونس، إلا أن عقد توريد القطارات مُنح لشركة صينية عملاقة مملوكة للدولة. فقد منحت الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية (SNCFT) شركة السكك الحديدية الصينية (CRRC) عقدًا بقيمة 38,2 مليون يورو ضمن برنامج طموح لازدواج الخط الحديدي وكهربته.
رُسّي العقد عبر مناقصة دولية اعتيادية، لكنه يثير معضلة سياسية وصناعية معقدة: كيف يُمكن لبنك متعدد الأطراف ذي حضور ورأسمال أوروبي قوي كالبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أن يدعم بنية تحتية استراتيجية في البحر الأبيض المتوسط، بينما يُمنح عقد مشروع رئيسي لشركة صناعية عملاقة مقرها بكين؟ يتضمن المشروع مضاعفة خط (مكنين - المهدية) وتزويده بالكهرباء، وهو أحد الأقسام ذات الأولوية التي تُوليها تونس اهتمامًا لتحديث النقل بالسكك الحديدية العامة.
ووفقًا للشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية، ستدخل القطارات الجديدة الخدمة تدريجيًا بدءًا من صيف 2028، وستزيد من الطاقة الاستيعابية للنقل، وتحسن وتيرة الرحلات، وتضمن معايير أعلى للسلامة والراحة. بالنسبة لتونس، يُعد هذا الاستثمار ضرورة قصوى، فقد عانت شبكة السكك الحديدية الوطنية لسنوات من نقص في البنية التحتية، وتقادم المركبات، وصعوبات مالية، بينما يسمح دعم البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية للمشروع بالمضي قدمًا بشروط أكثر ملاءمة من تلك المتاحة عادةً في الأسواق التجارية.
ولا تكمن المشكلة في شرعية العقد، فالبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، شأنه شأن بنوك التنمية متعددة الأطراف الكبرى، يطبق إجراءات مفتوحة للمنافسة الدولية، تقوم على الشفافية والمساواة في المعاملة بين الشركات. ولذلك، تمكنت شركة CRRC من المشاركة والفوز بالعقد من خلال تقديم عرض مالي وفني تنافسي.
القواعد المفتوحة للمؤسسات متعددة الأطراف تسمح للشركات الصينية بالفوز بعقود حتى في المشاريع المدعومة برؤوس أموال أوروبية أو غربية، بينما لا تزال الشركات الأوروبية تواجه عقبات حمائية كبيرة في الوصول إلى السوق الصينية وعمليات الشراء الحكومية في بكين. وتتمتع شركة CRRC، إحدى أكبر الشركات المصنعة لمعدات السكك الحديدية في العالم، بقدرة إنتاجية واقتصاديات حجمية ودعم حكومي يصعب على المنافسين الأوروبيين مجاراتها. ويؤكد وجودها في تونس قدرة بكين على اختراق مشاريع التنمية الممولة من المؤسسات الغربية في أسواق أفريقيا والشرق الأوسط.
وفي السنوات الأخيرة، استحدث الاتحاد الأوروبي أدواتٍ لحماية نفسه من تشوهات المنافسة والسعي إلى مزيدٍ من المعاملة بالمثل من بكين حيث يهدف "نظام المشتريات الدولية" إلى فتح أسواق المشتريات العامة في دولٍ ثالثة أمام الشركات الأوروبية. من جهةٍ أخرى، يسمح "نظام الإعانات الأجنبية" للمفوضية الأوروبية بالتدخل عندما تستفيد شركةٌ من خارج الاتحاد الأوروبي من مساعداتٍ عامة تُشوّه المنافسة في السوق الأوروبية.
إلا أن هذه الأدوات تؤثر في المقام الأول على المشتريات داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، ويكون تأثيرها محدودًا للغاية عندما تشمل المناقصة دولةً شريكة وتُدار وفقًا لقواعد بنكٍ متعدد الأطراف. وهنا تكمن المفارقة الأوروبية الكبرى، إذ تسعى أوروبا جاهدة إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي والصناعي والجيوسياسي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، لكن قواعد التمويل متعدد الأطراف المفتوحة والنزيهة تُفضّل في نهاية المطاف منافسيها الاستراتيجيين الرئيسيين وتمنحهم الأفضلية على حساب قطاعها الصناعي.
*وكالة نوفا